بدأ ضباب وهم الزعامة يتبدد من حول النائب اللبناني ميشال عون وتظهر الطبيعة في صورتها الحقيقية, وربما يقتنع الجنرال أنه لم يكن اكثر من أداة بيد "حزب الله" يحركه كيفما شاء من اجل تحقيق مآربه التي لن يستطيع معها "مختار الرابية" ان يحقق حلمه في حكم لبنان أو أن يكون زعيم المسيحيين العرب. فها هي الانشقاقات تعصف بتياره, وابتعد عنه حتى رفاقه الذين واكبوه منذ البداية, واذا كانت الانتخابات النيابية اللبنانية الاخيرة كشفت عن مدى عدم قدرته الفرض على من يعتقدهم حلفاء له حتى نائب واحد عليهم, فها هي الانتخابات البلدية اللبنانية التي بدأ العد العكسي لها تضع هذا العماد في حجمه السياسي الصحيح, وخصوصا في ما يتعلق بالمناطق التي يتوزع فيها النفوذ بينه وبين حركة "أمل" و"حزب الله".
من يستمع الى خطب وتصريحات عون يعتقد ان الرجل هو بسمارك لبنان, ولكن من يراقب مجريات الامور في بلد العجائب السياسية يكتشف سريعا ان هذا الجنرال ليس اكثر من بيدق على طاولة شطرنج المصالح الاقليمية الموكولة ادارتها الى اطراف حسمت خياراتها منذ البدء, وأعلنتها صراحة أنها وكيل لمحور التخريب والتدمير والمغامرات غير المسؤولة التي تجرجر لبنان على دروب صعبة من اجل تحقيق أهداف أصحابها الذين هم وراء الحدود أو خلف البحار, ولن يكون الضابط السابق بكل ما يتوهم من غرور القوة أكثر من ترس في ماكينة هذا المخطط الكبير.
صاحب الشعارات السيادية, التي اعتقدت شريحة لا بأس بها أنه سيكون المخلص الذي ينتشلهم من معمعة صراع المصالح على لبنان, تخيل للوهلة الاولى أنه يستطيع ان يحكم كل حلفائه, لكنه فشل فشلا يوازي فشله في العام 1989 حين أحرق لبنان تحت ستار "حرب التحرير" التي تحولت الى حرب تحرير لبنان من مواطنيه وإرسالهم الى الموت المجاني. فهو راهن على شق التحالف التاريخي بين التيارين الشيعيين الرئيسيين في لبنان, وإنه كما يقول الزملاء اللبنانيون"بيضة قبان" السياسة اللبنانية, الا ان الوقائع أثبتت أنه ليس أكثر من "بيضة ديك" سياسية ليست صالحة لا للأكل ولا "للتفقيس".
لقد اعتاد اللبنانيون, والعرب معهم, ان يروا العديد من أمثال الجنرال عون الذين يكونون أشبه بفقاقيع الصابون يملأون حيزا في الفراغ, هو في الواقع فراغ مرئي, يتسلون به لفترة او يستخدم لبعض الوقت ومن ثم يرمى في النسيان, وهذا ما عايشه اللبنانيون عبر عشرات الحركات والاحزاب والتيارات والميليشيات في العقود الاربعة الاخيرة, ومنذ أن بدأت مزارع الاستخبارات الاقليمية والدولية تنتج أدواتها في هذا البلد المنهك من ظلم بعض أبنائه وجورهم, ومن محاور الشر التي لا ترى غير لبنان حديقة خلفية لها ترمي فيه كل نفاياتها وأفعالها الخبيثة والتخريبية, وميشال عون هو واحد من هؤلاء والذي يبدو ان محركيه أحالوه الى التقاعد السياسي, بعد تقاعده العسكري, وربما بات من الافضل له ان يذهب الى كتابة مذكراته, ويستثمر ثروته في الترفيه عن نفسه, كما كان يفعل طوال الخمسة عشر عاما التي قضاها في باريس, اذ هو آنذاك كان في شبه غيبوبة سياسية, وحين احتاجت الادوات الكبرى إليه نفضت عنه غبار النسيان واستردته ليكون حصان طروادة في إجهاض ثورة الحرية والاستقلال التي عملت على فك أسر الارز اللبناني من براثن الهيمنة, وأخذت تستثمره في جميع مخططاتها حتى بات الان شبه وحيد الا من قلة قليلة جدا حوله, وهم إما بعض المنتفعين الصغار جدا, او من أقاربه, ولقد رأينا كيف ضحى برفاق الدرب في سبيل ان يحتفظ صهره بحقيبة وزارية.
ثمة أمثولة يتداولها الناس ليعتبر منها كل من يتنكر لمن وقفوا الى جانبه طوال سنوات, وهي كما تدين تدان, فماذا كان يتوقع ميشال عون من حلفائه بعد ان رأوا كيف تخلى عن رفاق السلاح وقلب لهم ظهر المجن? وأي تيار وطني حر هذا الذي يتحدث عنه وهو فقط لخدمة مصالح الاقارب, ولا مانع عند زعيمه من تجييره لأي كان في سبيل المصالح الشخصية?
ان النهاية السياسية التي انتهى اليها عون هي النهاية الطبيعية لكل من يأخذه الغرور الى حدود يتوهم عندها أنه بات زعيم العالم, بينما هو في الواقع ليس أكثر من مختار على قرية صغيرة او بالاحرى مزرعة.
جنت على نفسها براقش قديما, وهذا ما جناه ميشال عون على نفسه حديثا, فلا هو نال عنب الشام ولا بلح اليمن, ولا استفرد بالزعامة المسيحية اللبنانية, ولا استطاع ان يحتفظ لنفسه ببعض من ماض حين كان يعتقده بعض اللبنانيين حينذاك أنه خشبة الخلاص لهم, لكن للأسف أثبتت الايام ان ميشال عون ليس أكثر من أداة في يد محور أكبر منه ومن كل أوهام الزعامة. فهل يتعلم الدرس ويعود الى الصف الذي أنبت له ريشا يطير فيه الى حريته أم سيبقى يجري خلف سراب تحالفه الذي بات يعرف الجميع ان دوره فيه شارف على الانتهاء?
أحمد الجارالله