ثمة قاعدة قانونية معروفة في كل العالم, وهي أن كل من يخفي معلومات او أدلة تتعلق بمرتكب جريمة ما يعتبر شريكا بها, ويحاكم على ذلك, وما كشفه الأمين العام ل¯"حزب الله" اللبناني حسن نصرالله في مؤتمره الصحافي الاخير يدخل في هذا الاطار,رغم الكثير مما يعتوره من تشكيك حيال ما اعتبره ادلة وهو ليس اكثر من سيناريو فانتازي يصلح لأن يكون مادة لصناعة فيلم من افلام ال¯"اكشن" الهندية أو افلام الخيال الأميركية ك¯"حرب النجوم" او »ترمينيتور« او ما شابه. ورغم ذلك فان ما لم يقله نصرالله اكثر بكثير مما قاله, وطالما أن حزبه استطاع اختراق شبكة اتصالات طائرات التجسس الاسرائيلية, لماذا احتفظ بكل ما لديه حتى الان? هل يريد ان يأخذ الناس الكلام على عواهنه من دون أي سؤال عما خلف الاكمة? فهل الخلاف السياسي الداخلي يمنع الابقاء على التعاون بين"حزب الله" وممثل عائلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري, أم ان الاخير اكتشف في التحقيق ما كان يحاول "حزب الله" إسدال الستار عليه وتضليل التحقيق الذي شارك هو فيه فكان الطلاق بين الاثنين? وهل جريمة بحجم اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تخضع لحساب الصفقات السياسية, أي هل دم الرئيس الحريري رخيص الى هذا الحد حتى بالنسبة لعائلته كي يغامر ممثله في تلك اللجنة المشتركة التي تحدث عنها نصرالله في قطع العلاقة من اجل مواقف سياسية جميعنا نعرف أنها قابلة للتغير في أي لحظة?
إن إخفاء "حزب الله" ما لديه من معلومات طوال السنوات الماضية ساعد الجناة على الفرار في واحدة من اكثر الجرائم بشاعة في العقد الاخير, والتي هددت السلم الاهلي اللبناني, بل إنه عمل على إشعال حرب أهلية عندما منح نفسه حق التحكم بلبنان كله من خلال غزوه بيروت وبعض المناطق اللبنانية في مايو عام 2008 وأخذ البلد باتجاه آخر لارباك التحقيق, ولم يقدم نصرالله أدلته التي تفنن خبراء التصوير في الحزب المذكور في "منتجتها" او تركيز الصور على مكان ما, فالجميع يعرف أن الشاطر حسن هو صاحب نظرية زووم إن" و"زووم آوت" اي ان ال¯"zooming" الذي اخضعت له الافلام واضح تماما في التلاعب بتلك الصور, لكن رغم ذلك لماذا لم يقدم ما يعتبره قرائن الى القضاء اللبناني والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان? واذا كنا لن نكرر ما قلناه في مرات سابقة عن ان سلوك نصرالله وحزبه تنطبق عليه قاعدة"كاد المريب يقول خذوني" فان ما جرى في المؤتمر الصحافي الاخير كان أشبه بمشهد هوليوودي يتولى اخراجه جورج لوكاس او جيمس كاميرون لصناعة فيلم خيالي فيه جرعة كبيرة من الفكاهة, رغم ان ذلك يثير المخاوف الكثيرة ويفسح في المجال أمام كل الاحتمالات السيئة, ويرسم علامات استفهام عديدة حول سلوك "حزب الله", اولاها ان اطلاقه النار على المحكمة الدولية وعدم تعاونه معها منذ البداية وعدم تقديمه ما أعلنه من وثائق يتناغم مع الموقف الاسرائيلي لجهة الابقاء على الوضع اللبناني متوترا وجعل هذا البلد العربي الصغير حديقة خلفية لتصفية صراعات اقليمية.
كنا نود فعلا ان نصدق ان حسن نصرالله يسعى الى مقاومة شريفة لبنانية غير مرتهنة للخارج, فربما يكون في هذا الزمن المظلم بارقة أمل من رجل ما يعيد إحياء زمن صلاح الدين الايوبي, لكن للاسف الشديد امل الناس خاب, بل انها الخيبة التاريخية العربية الأكثر ايلاما حين يكون بعض رجال الدين أُجراء عند رب عمل خبيث النوايا والمخططات, ويعمل على تحقيق اهداف امبراطورية توسعية لا علاقة لها لا من قريب او بعيد بالاسلام إنما هي عنصرية قائمة على اوهام عفى عليها الزمن منذ مئات السنين, ويسعى الى التوتير الدائم من اجل عرقلة العقوبات الدولية على طهران, وهي محاولة عبثية لأن ما أقر في مجلس الأمن لن يؤثر فيه تفجير الوضع اللبناني.
نحن اكثر الناس توقا الى كشف حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه, ونحن أكثر حماسة الى ان تكون اسرائيل هي القاتل الحقيقي, لكن الاسئلة لا تنفك تتوالد حول العديد من الشواهد والممارسات السياسية في السنوات الخمس الماضية التي ضللت التحقيق, وزادت من وجع أسر الشهداء اللبنانيين, وفتحت ابواب النار والتفجير والقتل على العديد من الرموز الوطنية اللبنانية, من سياسيين وصحافيين وحتى قادة في الجيش والامن الداخلي, وكان الفاعل دائما غير معروف, ومن يمتلك الادلة او الوثائق, او بالاحرى من لديه جهاز أمني بقوة الجهاز الامني لحسن نصرالله الذي أثبت قدرته على جمع المعلومات, يغطي على القاتل, فهل هو شريك في الجريمة? أم مستفيد من القتل المجاني?
ليس من حق نصرالله مهما كانت المبررات التي ساقها , او يمكن او يسوقها مستقبلا, هو ومن معه, اخفاء أدلة او وثائق او حتى بعض الافكار التي تشير الى القاتل او تسهل الوصول اليه, فهذا الحزب وقائده ارتكبا مخالفة قانونية موصوفة لا يمكن تغطيتها او تفسيرها بأي حجة من الحجج, غير ان ذلك جرى في سبيل توظيف التوتر اللبناني لخدمة أهداف غير نبيلة, فالمقاومة, اي مقاومة في كل العالم, وعلى مر التاريخ كانت نبيلة المقاصد والمسعى و السلوك, ولم تكن في اي لحظة مثيرة لقلق شعبها او منغصة لحياته من اجل بعض المكاسب السياسية الزائلة.
ما ارتكبته يا سيد ليس خطأ بل خطيئة لا تغتفر, وحق عليك ان تقتص من نفسك قبل ان يقتص منك شعبك, فأنت ضللت العدالة وساعدت على فرار القاتل, هذا اذا سلمنا أنكم لستم في عداد المتورطين بشكل او بآخر بجريمة العصر.
أحمد الجارالله