"حزب الله" في موقع لا يحسد عليه فأما التنسيق مع القمة أو يخضع للحرس الثوري
تضاربت المعلومات حيال إمكان أن يقوم الرئيس الأسد بزيارة لبيروت اليوم الجمعة تزامناً مع زيارة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز, حيث رأت بعض الأوساط أن في هذا التزامن أو عدمه أكثر من دلالة. وفي وقت تراهن بعض الجهات السياسية في بيروت ولا سيما الناطقة بلسان "حزب الله" من فريق" 8 آذار", على استبعاد حصول هذا التزامن الذي سوف يرتد سلبياً على سياستها الداخلية, يتوقع ويترقب الفريق المقابل أي فريق" 14 آذار" عكس ذلك, لما قد يتمخض عن هذا التزامن في حال حصوله, من نتائج إيجابية تصب في مصلحة الاستقرار, عن طريق تنفيس منسوب التشنج والتأزم الحاصل بين مختلف الفرقاء السياسيين على الساحة اللبنانية. يبقى أنه من المتوقع حصول التزامن بالفعل بين هاتين الزيارتين, ولأهداف مقررة مسبقاً. وإلا لما كانت تمت هذه الزيارات, فلا الرئيس السوري ولا العاهل السعودي هما في وارد القيام بزيارات محض سياسية أو بروتوكولية إلى العاصمة اللبنانية, في ظل المرحلة الفائقة الدقة التي يمر بها هذا البلد, وهو كما بات معلوماً على شفير حرب خارجية إن لم يكن داخلية أهلية ومذهبية.
وكان العاهل السعودي قد بدأ جولة عربية بدأت في مصر فسورية تتكلل في نهايتها بقمة في لبنان تجمعه بأمير قطر والرئيسين السوري واللبناني. وغني عن البيان ما لهذه المشاورات من أهمية في المرحلة القائمة في لبنان حيث التوتر حول موضوع المحكمة الدولية وصل إلى أعلى درجات الحدية والاحتقان بين طرفي" 8 ازار" و"14 آذار", وحيث الأوضاع الأمنية الداخلية والخارجية باتت مشرعة على كل الاحتمالات. ولقد أصبح من شبه المؤكد أن من أهم أهداف هذه القمة العربية, يكمن أولاً في مساعي استحقاقية موقتة لهذا التدهور السريع, على أن تطرح على بساط البحث في مرحلة لاحقة حلولاً نهائية للأزمة اللبنانية, تكون مقدمة لأخرى تطال مختلف أزمات الشرق الأوسط العالقة.
وترى بعض المصادر أن المجتمعين لن يتوقفوا حيال ما يثار حالياً من سجال مفتعل حول المحكمة الدولية, بل سيتخطونه لأمور أهم تتعلق باستكمال بحث قد يأتي تتمة للمشاورات التي أجراها رئيس الحكومة اللبنانية في دمشق سعد الحريري مع الرئيس السوري بحضور الوزير التركي أحمد داوود أوغلو. والقناعة السائدة اليوم في دوائر القرار العربية زائد التركية, لا ترى أي فائدة في مقاربة موضوع الأزمة الحالية في لبنان من زاوية الموضوع المطروح على "العلك" والمتمحور حول صدور القرار الظني أو عدمه, وانعكاسات ذلك على الأوضاع الداخلية في لبنان, بل من ناحية السعي الى تحقيق توازن يؤدي إلى الاستقرار المنشود. وإذا كان الاستقرار هو الموضوع الجوهري, فمن الطبيعي أن يكون تحقيقه في العمل وتكثيف المشاورات والجهود لإبعاد شبح الفتنة وخصوصا المذهبية "الشيعية" ¯ "السنية" في لبنان. لأنه وفي حال اختلال التوازن القائم بين هذين المكونين الرئيسيين, ستكون شرارة لانطلاق نزاع مذهبي على مستوى الشرق الأوسط, لا أحد يريده, وقد لا تحمد عقباه.
من المؤكد أن قادة العرب يصرون على المحافظة على هذا التوازن. وتأمين هذا التوازن قد لا يكون عن طريق توسل ضغط عربي أو تركي أو سعودي لاستبعاد صدور القرار الظني كما بات يسوق في هذا الصدد في بعض الإعلام اللبناني. في كل الأحوال أي تأثير باتجاه إرجاء صدور القرار أو حتى السعي لاسترداد القضاة اللبنانيين من المحكمة الدولية, أو سحب أو وقف التمويل المؤمن لها حتى الساعة, قد لا يصب في مصلحة أي من الفرقاء في لبنان. لأنه سوف يعد تأثيراً على سير عمل المحكمة, وبالتالي ينال من صدقيتها وتجردها, وهذا لا يخدم موقف المؤمنين بهذه المحكمة, كما أنه ومن ناحية أخرى يصيب "حزب الله" بطريقة غير مباشرة إذ يشكل دلالة أكيدة لتورطه في هذه الجريمة, في حال جاء السعي من قبل الحزب لإرجاء صدور القرار. كما وأن الرئيس الحريري أو "ولي الدم" كما سماه الأمين العام ل¯ "حزب الله" السيد حسن نصر الله, ليس بوارد التخلي عن مطلبه بجلاء الحقيقة, لأنه وفي هذه الحال سوف يكون بموقع المتخلي أيضاً عن حلفائه في "ثورة الأرز", المترقبين لصدور القرار الظني الذي سوف يدل ليس فقط على مرتكب جريمة الرئيس الحريري, بل وأيضاً على مرتكب الجرائم التي تلت وطالت مراجع سياسية وإعلامية مرموقة في تجمع" 14 آذار". وهو موقف للرئيس الحريري عبر عنه البيان الختامي للمؤتمر التأسيسي لتيار "المستقبل".
أما الرسالة الأخرى التي سعى الرئيس الحريري لإيصالها لحلفائه فهي واضحة ومفادها أنه ليس هو وحده الذي تغير حيال سورية , بل سورية أيضاً تبدلت حيال لبنان. وثمة أوسط مقربة من تيار "المستقبل" ترى أن السوريين أعادوا النظر في مواقفهم وأخطائهم السابقة, وبخاصة خلال ما يسمى بحقبة الوصاية, وقد يسعون في المستقبل إلى عدم تكرارها في تعاملهم مع لبنان وهذا ما قد تتمحور حوله القمة العربية المزمع عقدها في بيروت, وما يسعى إليه وسوف تشكل المملكة العربية السعودية ومصر ضمانة لتحقيقه. والكل بات على شبه قناعة بأن الرئيس السوري يمكنه أن يفعل شيئاً ما في لبنان, شيئاً جديداً مختلفاً قد يشكل انطلاقاً لمسيرة تضع دول الطوق بمختلف ميولها على سكة السلام الشامل والعادل. مع العلم أنه وفي ما خص إسرائيل فقد ترى هي الأخرى في النظام السوري المدعوم من دول القرار العربية المحورية في المرحلة القائمة, مثل مصر والسعودية وقطر, نظاماً يمكن التعاطي والتداول معه بهدف التوصل إلى حلول ثابتة على مستوى المنطقة.
يبقى التساؤل عن موقف إيران من هذه المساعي, أما وقد عبر رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني المعدود على الفريق المعتدل من المحافظين, بأن الوضع في لبنان يعني مباشرة الجمهورية الإسلامية, بمعنى أن العرب لا يمكنهم استفراده, فالخروج بمقررات حياله دون الأخذ بالاعتبار النفوذ الإيراني فيه. وفي هذا ورد كلام في الإعلام في الآونة الأخيرة يشير إلى نية الرئيس الإيراني في القيام بزيارة إلى لبنان لتأكيد هذا التوجه بالذات, ألا وهو أن حزب الله في لبنان ما زال يشكل امتداداً لسلطة الجمهورية الإسلامية فيه. وبالتالي سمعنا في الآونة الأخيرة جملة من التصاريح تصدر عن مسؤولين في طهران يلمحون إلى ضرورة الأخذ بالاعتبار الدور الإيراني ومصالحه, عند وضع اللمسات الأخيرة لأي مقررات, يتم التداول فيها في بيروت. وحين تكلم الرئيس الإيراني عن دولتين سوف تستهدفهما إسرائيل بحرب مقبلة إنما أراد التلويح باحتمال نشوب حرب تستهدف سورية ولبنان, لم يقل بشكل واضح بأنها قد تنطلق من لبنان ولكنه غمز بشكل تهديدي إلى مضمون من هذا القبيل. حرب تعول طهران في حال حصولها على تمكنها من خلط أو خربطة الأوراق التي يسعى العرب إلى ترتيبها انطلاقاً من قمة بيروت.
ما يعني أن الكرة هي اليوم في ملعب "حزب الله". وهو طبعاً في موقع لا يحسد عليه. فإما أن ينسق مع القمة المنعقدة في بيروت ويتماشى ويتجاوب مع مقرراتها, وعندها يتحاشى مواجهة القرار الظني في حال صدر بحقه, منفرداً, بل يكون مدعوما ومستنداً الى كل الأطراف العربية (سورية , السعودية, مصر, قطر) والإقليمية (التركية), أو يؤثر الرضوخ لإملاءات وإرادة الحرس الثوري الإيراني, ويواجه القرار الظني في حال صدر بحقه مدعوما فقط من إيران, ويظل رهينة للجمهورية الإسلامية ولنظام ولاية الفقيه, ويؤدي بالتالي دور الورقة لمصلحتها, ويخدم ستراتيجيتها الإقليمية, وحينها قد لا يستبعد أن يضطر "مجبراً أخاك لا بطلاً" إلى خوض غمار حرب طاحنة قد تخدم موقع إيران في نزاعها مع المجتمع الدولي, وقد لا تصب بالضرورة في مصلحته كحزب لبناني, يهمه المحافظة على قاعدته وحلفائه الذين قد لا يجارونه بالضرورة في أي حرب مدمرة مقبلة. ناهيك عن كونه حزباً له ممثلون في البرلمان اللبناني, ويتمتع بدعم وتفهم سوريين حتى الساعة. ولكن ليس كما يبدو إلى أمد غير مسمى.
* كاتبة سياسية لبنانية