إقرأ المزيد..
مجلس الفكر العربي حدد في جلسته النقاشية أبرز ملامح هذا البلد المنكوب 29/07/2010
مستقبل العراق: بقاء الأميركان واستمرار التدهور وضمان مكاسب كردستان

القاهرة - "السياسة":
أنهى العراق عامه السابع تحت الاحتلال الاميركي وتعقيدات وضعه المتأزم تزداد تعقيدًا, تحت وطأة ضغوط سياسية وأمنية واجتماعية بالغة السوء, فقد أخفقت محاولات بناء دولة ديمقراطية وبلد آمن ومستقر, واستمرت أعمال العنف دون أمل في نهاية لها, وشهدت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تدهورًا غير مسبوق ارتفعت معه نسبة الفقر إلى نحو 35 في المئة والبطالة إلى 60 في المئة, بسبب الفساد وهيمنة المحتل على موارد البلاد, وتوجيهها لخدمة مصالحه, ووصل الانقسام الطائفي والإثني والسياسي إلى منحى ينذر بتداعيات خطيرة, وهو ما جسدته بدلالات واضحة الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أسفرت عن نتائج عدها البعض تصويتًا ضد الطائفية, لكنها نتائج مازالت تراوح مكانها بسبب السلوك السياسي للقوى المهيمنة على الحكم وعدم اعترافها بما أسفرت عنه الانتخابات والتحايل عليها بتحالفات طائفية بات معها العراق بعيدًا عن الاستقرار, وتحيط به تحديات يصعب معها التنبؤ بمستقبله.
وانطلاقًا من أهمية تلك الأوضاع وتداعياتها الإقليمية والدولية, خصص "مجلس الفكر العربي" التابع ل¯"مركز الخليج للدراسات الستراتيجية", حلقته النقاشية الحادية والعشرين, التي انعقدت بفرع المركز بالقاهرة في 10 يوليو ,2010 لرصد المستجدات على الساحة العراقية, ومناقشة سيناريوهات مستقبلية.
في البداية استعرض السفير د. "عمر الحسن", رئيس المركز, الأوضاع في العراق, واصفًا إياه بأنه نموذج للدولة الفاشلة بسبب سياسات الاحتلال التي دفعت بالأوضاع فيه نحو الأسوأ; أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا, وخلقت حالة من الفوضى السياسية تتشابك فيها الخيوط والمصالح والتوجهات والأيديولوجيات, الأمر الذي عمق النزعة الطائفية, وأبعد العراق عن انتمائه العربي.
بعدها بدأت مناقشات الحلقة برئاسة د."مصطفى علوي", الرئيس التنفيذي لمجلس الفكر, حيث انقسمت إلى محورين: ركز الأول على رصد المستجدات على الساحة العراقية وانعكاساتها الداخلية والإقليمية والدولية, فيما اهتم الثاني بتقديم رؤية استشرافية لمستقبل العراق في ضوء تلك المستجدات.
نتائج الانتخابات
في المحور الأول, أوضح أعضاء مجلس الفكر, والذي يتكون من مجموعة من الأكاديميين والإعلاميين والسفراء السابقين والعسكريين, أن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة, لم تكن ذات تأثير كبير على الخريطة السياسية العراقية, كما روج البعض, فالأحزاب الرئيسية وقياداتها الفائزة بها جاءت مع الاحتلال وأيدته, كما لا تزال هي  الأطراف الرئيسية المؤثرة على الساحة العراقية, غير أن ذلك لم يمنع من التأكيد على أنها ¯ أي الانتخابات ¯ أفرزت عدداً من النتائج المهمة ذات الصلة بمستقبل العراق: أولها: أن المعركة الانتخابية أسفرت عن حالة "لا غالب ولا مغلوب", ما خلق نوعًا من "التوازن الحرج" فيما بين الكتل السياسية, الأمر الذي يجعل الخريطة السياسية العراقية أكثر مرونة وقابلة للتعديل بعيدًا عن المواقف الطائفية الجامدة نسبيًا إذا ما تم التوصل إلى توافق سياسي. وثانيها: أن العراقيين صوتوا ضد الطائفية; لأنهم أيقنوا أن ما حدث منذ سقوط النظام السابق هو مجرد صراع على السلطة, وثالثها: أن نتائج الانتخابات أظهرت الدور الإقليمي القوي على الساحة العراقية, لدرجة يمكن معها اعتبار الانتخابات العراقية "انتخابات إقليمية", إذ حدثت تدخلات من الأطراف الإقليمية, وإن كانت بدرجات متفاوتة, ورابعها: أن إيران لم تحقق أهدافها المرجوة في تلك الانتخابات, رغم كل الضغوط التي مارستها والدعم الذي قدمته للتكتلات المؤيدة لها, إذ تراجعت شعبية الأحزاب الدينية التي كانت تعول عليها طهران, كما تراجع الحزب الإسلامي السني, ولكن ذلك لا ينفي أنه مازال للمؤسسة الدينية دور فاعل في إدارة شؤون المجتمع العراقي.
واتصالاً بالانتخابات والعملية الديمقراطية بالعراق تطرق أعضاء مجلس الفكر إلى الخلفية السلبية لحالة التحول الديمقراطي في هذا البلد, والتي من أبرز عناصرها: نقص الخدمات, وتردي الأوضاع المعيشية, وزيادة نسبة الفساد المالي والإداري, واستمرار أعمال العنف, وتردي الأداء, وتراجع التنمية وقيم المواطنة, إلى جانب بروز الطائفية والنزعة الأبوية السياسية ذات الملامح الديكتاتورية, وهو ما ظهر في رفض "نوري المالكي" رئيس قائمة "دولة القانون", لنتائج الانتخابات الأخيرة, وإصراره على تولي رئاسة الوزراء رغم خسارته الانتخابات أمام "القائمة العراقية" التي يرأسها "إياد علاوي", الذي أجمع أعضاء المجلس على أنه يمثل أفضل البدائل المطروحة على الساحة لتولي رئاسة الوزراء, الأمر الذي يعوق التحول الديمقراطي في العراق, مشيرين إلى ما يشكله سعي الأكراد إلى بلورة هويتهم الخاصة على حساب الهوية العراقية من مخاطر على وحدة البلاد واستقرارها, موضحين أنهم ¯ أي الأكراد ¯ على أهبة الاستعداد لإعلان دولتهم المستقلة; حيث يملكون حكومة مستقلة وجيشًا قويًا وموارد نفطية كبيرة, لكنهم يخشون رد الفعل التركي. وحول تأثير البعد الخارجي على الأوضاع في العراق, رصدت المناقشات ملاحظتين أساسيتين: الأولى أن الموقف العربي تجاه العراق لا يزال متأثرًا بشكل كبير بحالة العلاقات العربية - العربية, وكانت المحصلة ضعف الوجود العربي داخل العراق, وإن كانت البيئة السياسية العراقية أصبحت الآن أكثر استعداداً لدور عربي تدريجي لإيجاد نقاط الارتكاز المناسبة لملء الفراغ الذي سينجم عن الانسحاب الاميركي من العراق, أما الثانية فهي أن بعض الدول المحيطة بالعراق ترتكب الآن أخطاءً فادحة, قد لا تكون ضارة لها على المستوى التكتيكي, غير أنها خطيرة على المستوى الستراتيجي, مثل إيران وتركيا.
وانتقالاً من حالة رصد المستجدات على الساحة العراقية إلى محاولة التنبؤ بما سيكون عليه مستقبل العراق ركزت مناقشات المحور الثاني من الحلقة النقاشية على السيناريوهات المحتملة لمستقبل هذا البلد, مؤكدة أن هناك صعوبة في التنبؤ بمستقبله في ظل حالة التعقيد التي يعيشها في الوقت الراهن, مما يجعله مفتوحًا أمام كل الاحتمالات, وذلك في ضوء عدة متغيرات أولها داخلي, فالصراع الحالي بالعراق هو صراع إرادات بين المخططات الاميركية وخيارات الشعب العراقي وقواه الوطنية, وثانيها خارجي, فمستقبل العراق لا يمكن فصله عن محيطه الإقليمي الذي يتنازعه نفوذ إيراني, ونشاط تركي, وتراجع عربي, وتواجد إسرائيلي سافر, حيث تتصارع في العراق ثلاثة مشاريع سياسية للسيطرة عليه, وهي:
¯ المشروع الإيراني: وتديره في العراق مؤسسة سياسية قوية مكونة من أجنحة عدة: جناح سياسي يغير نفسه مع تغيرات الواقع ويمثله "المالكي", ومرجعية دينية تلتف حولها جماهير كبيرة, وجناح عسكري من الميليشيات المدربة تدريبًا عاليًا.¯ المشروع الاميركي: وهو قوي أيضًا, وله واجهات عدة علمانية في أغلبها تريد تنفيذ هذا المشروع في العراق, ويعتبر الأكراد من ضمن مؤيدي هذا المشروع أو يتفقون معه لأنه يخدم أغراضهم وأهدافهم, إضافة إلى "إياد علاوي".
¯ المشروع الوطني: وهو أضعف الحلقات الموجودة على الساحة, وهو مشروع عراقي خالص غير طائفي أو عرقي نابع من أبناء العراق, ولم يأت من الخارج, وينطلق من منطلق وطني إسلامي عشائري معتدل.
الاتفاقية الأمنية
خلصت المناقشات إلى أن مستقبل العراق يرتبط بمستقبل الوجود العسكري الاميركي داخله, ولذلك طُرح تساؤل حول إمكانية تنفيذ ما جاء في الاتفاقية الأمنية الموقعة بين الإدارة الاميركية السابقة والحكومة العراقية, والتي تقضي بسحب القوات الاميركية من مواقعها داخل المدن والمراكز الحضرية الكبيرة إلى مواقع جديدة خارجها تكون أكثر أمنًا, وذلك تمهيدًا لانسحاب كامل القوات الاميركية قبل نهاية العام .2011  وقد أكد أعضاء مجلس الفكر أنه رغم تنفيذ الخطوة الأولى من الاتفاقية, فإن تنفيذ الخطوة الثانية والتي تقضي بالانسحاب الكامل إلى خارج العراق في ,2011 لا تزال موضعًا للشكوك, ذلك أن نهاية العام 2011 قريبة, وهناك احتمالات قوية أن تستغل واشنطن الأوضاع المتفجرة في التهرب من تنفيذ الاتفاقية, والإبقاء على أكثر من أربعين ألفًا من قواتها لفترة زمنية طويلة تجدد تباعًا, وذلك على غرار صيغة العلاقة الأمنية القائمة فيما بين الولايات المتحدة وكل من اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية, وهو أمر إن تم سيكون له تأثيرات بالغة على الأمن في العراق وما حوله. ولعل أول أهم تلك التأثيرات, الإبقاء على القوات العراقية عند حدود قوات الأمن كي تكون أدنى كثيرًا من سقف قوات الجيش المسلحة, وذلك على مستويات التجنيد والتدريب والتسليح كمًا وكيفًا, فلقد ظلت قوات الدول الثلاث المشار إليها أعلاه عند مستوى أدنى من مستويات قوات الجيش المسلحة, كما بقيت مهامها خارج حدود دولتها, بل وداخل تلك الحدود, أدنى من مستوى المهام والاستعداد والكفاءة الفعلية المطلوبة لخوض الحروب أو التدخل فيها.
واستنادًا إلى المعطيات والمتغيرات السابقة, فإن مستقبل العراق لن يخرج عن سيناريوهات عدة الأول: تشكيل حكومة وحدة وطنية قوية وفقًا لنتائج الانتخابات الأخيرة, تقود العراق والشعب العراقي إلى مرحلة جديدة تغنيه عن الوجود الاميركي, وترجح من احتمالات حدوث هذا السيناريو, أجندة القوى التي لا تقبل بوجود دائم للقوات الاميركية بالعراق في الأجلين المتوسط والطويل, رغم أن موقف دول الجوار لن يكون واحدًا, فدول الخليج العربية على سبيل المثال لن تعترض بشكل جدي أو ملحوظ على مثل ذلك الوضع الافتراضي, فوجود قوات عراقية أدنى من مستوى الجيش يقلل من احتمالات تصاعد التهديد العراقي لتلك الدول مستقبلاً. وبالنسبة لدولة مثل تركيا, وهي لاعب إقليمي مهم, فإن مثل ذلك المستقبل لأمن العراق ولعلاقته مع الولايات المتحدة يمكن أن يمثل عنصر اطمئنان للسياسة التركية, أما سورية فهي دولة الجوار المباشر التي يمكن أن تمثل لها صيغة استمرار ضعف العراق أمنيًا, واستمرار الوجود العسكري والستراتيجي الاميركي داخله لفترة غير معلومة مصدر تهديد سيكون عليها أن تتعامل معه بقدر غير قليل من الحذر, خصوصًا مع استمرار صراعها مع إسرائيل, ورغم أن إسرائيل ليست دولة جوار مباشر للعراق إلا أنه لا يمكن تجاهل تأثير سياساتها على مثل ذلك الوضع الأمني الجديد في العراق, وغني عن القول هنا إن مثل ذلك الوضع في صالح إسرائيل باعتبارها الحليف الأهم للولايات المتحدة بالمنطقة.
السيناريو الثاني: الخروج ب¯ "صفقة طائفية" هزيلة لتشكيل الحكومة الجديدة تضمن سيطرة قائمة "دولة القانون", وفي هذه الحالة سيتولى "المالكي" رئاسة الوزراء, ويتولى "إياد علاوي" رئاسة الجمهورية, ويحتفظ الأكراد برئاسة البرلمان, وسيتم توزيع الحقائب الوزارية المهمة بالتوافق, وهو ما يعني بقاء الأوضاع الراهنة على حالها بالتوازي مع تزايد حدة الأزمات التي يعانيها العراق, وبقاء قوات الاحتلال الاميركية لفترة طويلة, وبناء علاقات معها وفق نموذج القوى المهزومة في الحرب العالمية الثانية مثل اليابان وألمانيا, وبالتالي استمرار صيغة التوافق الطائفي المفروض بقوة الاحتلال لفترة طويلة.
ويدعم هذا السيناريو ضعف الكيان العراقي بسبب الممارسات الاميركية خلال فترة الاحتلال وغرسها لمقومات الانقسام ابتداءً من المحاصصة الطائفية, ومرورًا بنصوص دستور 2005 الذي نص على فدرالية تقوي من صلاحيات الأقاليم على حساب سلطات الحكومة المركزية, وانتهاءً بالتدخلات الاقليمية التي يرى بعضها أنه ليس من المصلحة أن يتحقق الاستقرار الآمن في العراق, وصعوبة حدوث تعاون خليجي عراقي إيراني يسعى حثيثًا لرأب الصدع العراقي دون انتظار الانسحاب الاميركي . السيناريو الثالث: تقسيم العراق إلى دولة كردية وأخرى شيعية وثالثة سنية, وهو السيناريو الذي أثار جدلاً كبيرًا, ويعزز من فرص تحقق هذا السيناريو دعوة البرلمان العراقي إلى إعداد قانون لتوزيع الثروة النفطية بحيث يحصل كل إقليم من الأقاليم الثلاثة على حصته التي تكفل له أن يعيش مستقلاً عن الإقليمين الآخرين, وقد أعلنت حكومة "المالكي" مصادقتها على مشروع قانون النفط والغاز الذي خصص 17 في المئة من واردات النفط العراقي لحكومة إقليم كردستان, وهو ما يعتبره المراقبون بداية صريحة لتطبيق الفدرالية. وهذا السيناريو تواجهه صعوبات عدة, أهمها: رفض معظم القوى السياسية العراقية لهذا المشروع باستثناء الأكراد الذين يرحبون بهذا المشروع لتحقيق مصالحهم في الحصول على استقلالية تتيح لهم أن يحصلوا على نفط "كركوك" التي تضم أكبر احتياطي من نفط العراق, وقد ثبت أن 12 من أعضاء مجلس الشيوخ الاميركي الذين أيدوا خطة "بايدن" الخاصة بتقسيم العراق حصلوا على تبرعات لحملاتهم الانتخابية من شركة نفط تعمل في إقليم كردستان العراق, وهي شركة "هانت أويل" ومقرها تكساس.
كما يلقى سيناريو التقسيم معارضة شديدة من جانب تركيا باعتباره يضر بأمنها القومي, وهو ما يتوافق مع وجهة نظر دول مجلس التعاون, وموقف جامعة الدول العربية التي تشدد على وحدة العراق واستقراره, وهو أيضًا موقف إيران وسورية, حيث تعتقدان أن التقسيم يحقق مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ويدعم فكرة مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي نادى به الرئيس الاميركي السابق جورج بوش. وفي نهاية الحلقة النقاشية خلصت المناقشات إلى أن السيناريو المستقبلي الأقرب إلى الحدوث, هو بقاء قوات الاحتلال الاميركية في العراق لفترة من الوقت, وبناء علاقات معها وفق نموذج القوى المهزومة في الحرب العالمية الثانية مثل اليابان وألمانيا, واستمرار وضع إقليم كردستان العراق على ما هو عليه في الوقت الحالي بما حصل عليه من مكاسب, وحسم الجدل حول توزيع الثروات بين الحكومة المركزية والأقاليم لتحقيق العدالة في توزيعها, مع بقاء التدهور الشامل في البلاد لفترة طويلة.
 

ملاحظة: إن الآراء المذكورة في التعليقات تعبر عن وجهة نظر أصحابها فقط ولا تعكس بالضرورة رأي صحيفة "السياسة"
الاسم*
عنوان التعليق*
التعليق*