Porsche
إقرأ المزيد..
  • الشغف ... أكثر حالات الإنسان تألقاً...
  • مجموعات تابعة لوهاب و"القومي" تقاتل...
  • دول "الخليجي" تدشن سلسلة الإجراءات ...
  • دمشق تضع ثلاثة شروط للإفراج عن 49 ض...
  • لافروف للأسد: أنتم تتحملون مسؤوليات...
الصفحة الرئيسية  محمود كرم
26/07/2010
شجن الذاكرة

ياشقيقي كنت أرى الغربة في عينيك تنضح بالشجن الرهيف وكنت تريد أن تتضاءل الغربة في صدرك

خذلتكَ الأمنيات يا شقيقي , فكم تمنيتَ أن تعودَ بعد رحلة علاجكَ الأخيرة إلى وطنك وابنك وزوجتك وأخوتك وأصدقائك وأحبابك , تبادلهم دفء العناق ولهفة اللقاء , وفرحة السلامة وبهجة الابتسامات , وبوح الحكايات الطويلة , ولكنها الأمنيات التي انساقت خائبة إلى هاوية الخذلان.
كم خذلكَ الصبرُ يا شقيقي , فكم كنت وفياً معه وله , جاملتهُ وتجملتَ به , أرضيته مراراً , وارتضيت به رفيقاً عظيماً , وأخفيتَ عنه آلامك وأوجاعك وتأوهاتك , ولكنه خذلك , لم يستطعْ أن يدفع عنكَ لهاثات الموت.
وكم خذلكَ الأمل يا شقيقي , كنتَ ودوداً معه , ووفياً له , وكنتَ مفعماً به إلى حد المستحيل , وكنتَ تستدرجهُ إليك دائماً , صديقاً ملهماً ومؤنساً من براثن اليأس والمرض والضجر والقلق , وتُطعمهُ من قلبكَ روح الحياة , كان الأملُ دائماً في حساب يومكَ يطفحُ بالغد الأجمل , بالغد الذي يجب أن يأتي كما كنتَ تشتهيه , حنوناً وأنيقاً وزاهياً ومتفتحاً بالضوء والبهجة , هكذا كنتَ ترى الأمل , تراه غداً أجملَ يأتيك بالأمنيات المشرقة , ولكنه خذلك , لم يستطعْ إلا أن يكون متفرجاً على رحيلك , لم يستطع أن يدفع عنكَ عتمة الموت وبطشه , وهو يراه زاحفاً عليك , سالباً منكَ أنفاسك , وخانقاً نبض الحياة في أوردتك.
سبعٌ من السنين المؤلمات , كنتَ فيها يا شقيقي تحملُ إعاقتك , ترتحل بها من ألم إلى ألم , ومن وجع إلى وجع , ومن سفر إلى سفر , إلى أن انتهى بكَ مشوار الآلام أخيراً في لندن , لندن كانت محطتكَ الأخيرة , وفيها أودعتَ ضحكتكَ الأخيرة وحكايتكَ الأخيرة ودمعتكَ الأخيرة , هذه المرة من ترحالك البعيد هنا وهناك خذلتكَ لندنُ يا شقيقي , لم تستطع أن تمنحكَ أمل العودة إلى وطنك وسلبتكَ منِّي ومن أحبابك , وأوجعتني طويلاً في مركز القلب.
يا شقيقي كم كنتَ مفعماً بالحياة والأمل والصخب والحكايات والذكريات , لم أركَ يوماً تستسلم للضعف والمرض والإعاقة , كنتَ تتحاملُ على كل ذلك , وتمضي مسرفاً في ابتهاجات يومك , وفوق كل ذلك كنتَ تواجه ذلك بالضحكة والابتسامة والتعليقات الساخرة , حتى أن طبيبك الانكليزي الذي عاينك في بداية علاجك , قال لك بشيء من المرارة : ما حصدته من انكسارات جسدك المتتالية خلال سنين إعاقتك كثير ومؤلم , فقلتَ له وابتسامة مظفرة تضيء وجهك : لا بأس , فما زلتُ على قيد الحياة , أتفجرُ بالأمل والتفاؤل والحلم , وأمضي جامحاً في عثراتها.  
كنتَ دائماً تتجاوز تعنتات المرض بأمل جديد وعزيمة نافذة وجسارة واقدة , كنتُ أرى ذلك في عينيك , وفي حديثك , وفي تصميمك , فكم كنتَ تكره التجميد والاقتعاد في سرير المستشفى , دائماً كنتَ تقول لي : أن السرير لا يجلبُ سوى الضجر والكآبة والملل , فكنتَ تخرجُ منه سريعاً إلى كرسيكَ المدولب الذي تصالحتَ معه طوال سنين إعاقتك , والذي أحببته لأنه لم يخذلك يوماً , وفي كل مرة حينما كنتَ توصي بواحد جديد من السويد , كنتَ تهتم بتفاصيل صناعة أجزائه , وتُخبرني متحمساً عن مميزاته الجديدة , وكأنه قطعة من جسدك وقلبك , وكأنه نبضكَ الذي يشتعلُ بالتوثب في أعماقك.
في أيام العطل الأسبوعية كنتَ حين تهبط في كرسيك المدولب , تنفض عنكَ من فورك تعب السرير , وأوجاع الذاكرة , ومرارة الإعاقة , ترتدي قفازك العملي , وتتلحفُ شالك الصوفي , وتعتمرُ قبعتكَ الصوفية , تطلبُ منِّي أن نسرع إلى الخارج , إلى حيث الهواء والمطر والجمال والناس والصخب , فكنا نجوب معاً شوراع لندن وأسواقها وطرقاتها ومعالمها ومقاهيها الضاجة بالرشاقة والموسيقى والفتنة والحلم , تطلق تعليقاً هنا وسؤالاً هناك , وتتقلد ضحكة هنا وترسلُ بهجة هناك , وحينما لا نجدُ مفراً من مطاردة البرد لنا , كنا نلوذ بأي مقهى يصادفنا , نمتشقُ دردشة قصية تفيض بها حكاياتنا المترعة بنزق الذاكرة.
وفي الأيام العادية كنا نخرجُ في كل مساء تقريباً إلى مقهانا المعتاد القريب جداً من المستشفى , بعد أن تفرغ من برنامجك التدريبي , هناك كانت النادلات يستقبلنكَ دائماً بابتساماتهن بمجرد أن تطلُّ عليهن , وأنتَ تشقُّ بكرسيك عباب المقهى , وبدورك كنتَ تبادلهن بياض الابتسامة ورهافة الود الشفيف , وكم كانت النادلة الشابة فكتوريا سعيدة حينما أفصحتَ لها عن اعجابك بتسريحة شعرها الجديدة , فأسرعتْ مسرورة تخبر زميلاتها في المقهى عن اعجابك بتسريحتها , وما أن نكون هناك حتى تشرع من فورك بممارسة لعبة البلياردو , التي كنتَ شغوفاً بها , وأنتَ تمخرُ منتشياً أطراف طاولتها بكرسيك المدولب , وفي كل مرة كنتَ تعرفُ كيف تلحق بي هزيمة ثقيلة , لأني لا أستطيع مجاراتك في هذه اللعبة.
أما في الأيام التي كانت تقام فيها مباريات الدوري الإنكليزي الممتاز لكرة القدم, أو مباريات دوري أبطال أوروبا , نكون أول الواصلين للمقهى لمشاهدة المباريات , نقتعد الى طاولتنا المعتادة في مواجهة الشاشة الكبيرة , يجرفنا الحماس الكروي للاستمتاع بفنون الكرة العالمية , وكنا نحرص على متابعة فريقنا الانكليزي العريق "ليفربول" حين يكون طرفاً في أي مباراة , فكنتَ تخبرني أولاً بأول عن مواعيد المباريات ومعرفة أوقاتها عن طريق حاسوبك الذي كان بمثابة صديقك المتفاني في التواصل معك.
أينما كنتَ تحطُّ بأوجاعكَ يا شقيقي , كنتَ تباغت المكان بفسحة من الألفة والمرح والبهجة والشغب الجميل , كنتَ تُشغل فراغ المكان بحركتك وحكاياتك ومشاغباتك وصداقاتك , وتنفر من المكان الذي لا يستجيب لك , كنتَ تراه مملاً وكئيباً وقاسياً أيضاً , لأنكَ تعودت أن تحيا في المكان الذي تمده بالحميمية والود والعفوية ويمدكَ هو الآخر بالدفء والتواصل والمحبة والصداقة , كنتَ هكذا في كل مكان ارتحلت إليه ومكثت فيه , فسرعان ما تصبح صديقاً ودوداً لطاقم التمريض , تجالسهم وتبادلهم الضحك والأحاديث الشيقة , تحفظ أسماءهم , وتسأل عنهم , وتتفقد مَن يتغيب منهم , وتحزن عندما تودعهم , وهذه المرة في لندن , ما أن نزلتَ في المستشفى , حتى كنتَ ذاك الرجل الذي أصبح يعرفه جميع طاقم التمريض في الجناح من تحركاته وتعليقاته وأحاديثه ومزاحاته ومشاغباته الجميلة , أحببتهم وأحبوك , وحزنوا كثيراً حينما غادرتهم في صمت مفاجئ.
كم كنتَ تشعرُ بغربة فادحة يا شقيقي وأنتَ تقضي أيام علاجك في لندن , بعيداً عن كل الذين تحبهم ويحبونك , كانت الغربة تأكل أجزاءً من قلبكَ , كنتُ أراها في عينيك تنضحُ بالشجن الرهيف , لأني أعرفُ أن أسعد لحظاتك في الحياة , هي تلك التي تريد دوماً أن تبقى فيها بين عائلتك وأحبابك وأصدقائك , ممتلئاً بالدفء والمحبة والأمنيات , فكنتَ تُمعنُ في أن تبقى على تواصل دائم هاتفياً مع أحبابك في الكويت كل يوم , لأنكَ كنتَ تريد لهذه الغربة الموحشة في أعماقك أن تتضاءل وتتلاشى , ولكنها أبتْ إلا أن ترحلَ بكَ بعيداً , وبعيداً .

كاتب كويتي
tloo1996@hotmail.com

ملاحظة: إن الآراء المذكورة في التعليقات تعبر عن وجهة نظر أصحابها فقط ولا تعكس بالضرورة رأي صحيفة "السياسة"
الاسم*
عنوان التعليق*
التعليق*