خطابان لبنانيان يستدعيان التوقف عندهما لمعرفة الفارق بين خطاب العقلانية وخطاب "فوفوزيللا" التحريض الميليشياوي الرامي الى جعل لبنان حديقة خلفية للصراعات الاقليمية... بين خطاب سعد الحريري, الحديث في العمل السياسي الذي استطاع في سنوات قليلة ان يتحدث بلغة رجل الدولة القادر على أخذ لبنان الى المزيد من الاستقرار, وبين حسن نصرالله, المتمرس في العمل السياسي, لكنه لا يزال يعيش ذهنية الميليشيا التي لا تفهم بغير لغة التهويل والتخوين.
رغم العقلانية التي بني عليها خطاب رئيس الحكومة اللبنانية سعد رفيق الحريري عندما تطرق الى قضية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في كلمته أمس, لم يضع النقاط على الحروف بما يقطع دابر الشر الذي يسوق له المغامرون, وهذا يدعونا الى العتب من موقع المحب لأن الدول لا تحكم بمنطقي المزرعة والدولة, ولابد من الخيار بينهما, و رغم ان غايتنا جميعا استقرار لبنان, فهذه الغاية ليست لبنانية فقط إنما هي عربية ودولية, ولكنها ايضا لا يجب ان تكون على حساب هذا البلد الصغير المثقل بالكثير من الهموم حتى تكون نافذة يهرب منها الذين استمرأوا ارتكاب الآثام الكبرى واعتادوا الفرار من العقاب, ولا ان تقوَّض العدالة الدولية نزولا عند ابتزاز أرعن يحاول فرضه حسن نصرالله على لبنان والعرب. لقد آن الأوان للبنان ان يخرج من نفق الارتهان لبضعة أفراد تخيلوا ان امتلاكهم السلاح يخولهم أسر الدولة وفرض ارادتهم على كل اللبنانيين, وان اختطافهم لقرار طائفة يؤهلهم لفرض ارادتهم على كل الطوائف اللبنانية, وربما هؤلاء لا يعرفون تاريخ بلادهم جيدا, ولا يعرفون ان الطوائف في لبنان جعلت منه رئة نظيفة يتنفس منها الشرق كله حيوية التواصل المعرفي والحضاري بين الاديان, وإن كل أصحاب الرؤوس الحامية والمغامرين, على مر التاريخ, لم يستطيعوا ان يجعلوا من الطوائف اللبنانية حصان طروادة لتمرير مشاريعهم او مشاريع أسيادهم, فهذا البلد تتساوى فيه تلك المكونات مهما كبرت أو صغرت أمام الوطن, وهناك الكثير من القوى التي حين سارت في المسار الطائفي انعزلت وسقطت ونسيها الناس, وها هو "حزب الله" أوضح الامثلة على المآل الذي ينتظر أحصنة التطييف والتجييش المذهبي المقيت, هذا الحزب الذي اتخذ من الشحن المذهبي والتهويل بالفتن خيارا له لصرف الانظار عما دبر في ليل ليس للبنان فقط, بل للمنطقة كلها من اجل تحقيق أوهام إقليمية توسعية, أقل ما يقال فيها أنها أضغاث أحلام ليلة صيف لن تستطيع دونكيشوتية حسن نصرالله في صراعه مع طواحين الهواء ان تغير من واقع الحال, وليس توزيع الاتهامات يمينا وشمالا, لبنانيا وعربيا, سيغير من الحقيقة التي باتت واضحة للناس أجمعين, و لا دفن الرؤوس في الرمال ينفع في هذا الزمن الذي باتت فيه العدالة الدولية أكثر قدرة على العقاب.
حسن نصرالله يوزع صكوك الوطنية كما يوزع المهرج الحلوى على الاطفال, فمن نصبه قاضي محكمة الوطن حتى يخوِّن هذا ويبرىء ذاك, وهو ليس اكثر من مسؤول حزبي لا صفة رسمية له في الدولة اللبنانية, وهو وحزبه يتبعان أسلوب كاد المريب يقول خذوني? فقبل ان يطلب حسن نصرالله من قادة حركة"14 آذار" ان يراجعوا أنفسهم أليس من حق البسطاء اللبنانيين ان يطالبوا نصرالله ذاته بكشف حساب تاريخي عما اقترف هو وحزبه طوال العقود الثلاثة الماضية? لا نقول فقط ان مبدأ العين بالعين والسن بالسن, يجب ان يسود, بل نسأل: اذا كان "حزب حسن نصرالله" اسلامي المنهج, أليس تطبيق القواعد الاسلامية الصحيحة هو الاولى? أو ليس من اعتدى على الناس يجب ان يعاقب؟
رجل الدولة قال كلمة الدولة و وضع حدا بين زمن التهويل والتخويف والتخوين, ورجل الميليشيا يحاول تكرار خطابه كل يوم من دون تعب, ولا يفرق بين قضية محقة وبين محاولة ابتزاز الوطن بأكمله من أجل مصالح ليس للبنان بها اي مصلحة, فهو يبغي تفصيل المحكمة الدولية على المقاس الذي يريده, وان تكرر ما يقوله من دون اي تبصر في الحقائق, فنصرالله نسي ان أحدا لم يتهمه مباشرة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري, إنما هو بسلوكه اتهم نفسه واتهم الحلفاء والمناصرين, وخرج الى العالم, ساعة يتهم الاستخبارات الاسرائيلية وأخرى المخابرات الاميركية, وفي ثالثة يختلق جهة ثالثة ليرمي عليها الاتهام, لكنه لم يدرك للحظة واحدة أنه يحوم دائما حول الجريمة.
ربما هنا يكون سعد الحريري قد أخطأ حين وجه نصيحة لأصحاب أجندة خارجية باعوا وطنهم بحفنة من المال مما أصابهم بالصمم فلم يعودوا يستمعون الى النصيحة, بل إنه كلف نفسه عناء الرد غير المباشر على البوق الايراني الذي بات الجميع يعرف اللحن النشاز الذي يعزفه, او بالاحرى ينفخ في كير الفتنة, فالنافخ بكير الفتنة يا شيخ سعد لا ينفع معه الهدوء والحكمة, بل يجب ان يواجه دائما, ولا يسكت على الترهات التي يسوقها بين الناس. لقد أصبحت كل قوى "14 آذار" الان مطالبة ان توقف سيل اتهامات حسن نصرالله عبر الحجة بالحجة, والكلمة بالكلمة, حتى لا يغرق لبنان مجددا في أتون مغامرات
"فوفوزيللا" الإيراني.
أحمد الجارالله