انتشار السلفيات في سورية سياسة أرادها النظام لكي يواجه المد الديمقراطي في تسعينات القرن الماضي
ليس النقاب من الدين في شيء, وإنما الحجاب من الدين فرض. كي نتخلص من العنعنة, والتأتأة في التعاطي مع هذا الموضوع.
النقاب الحالي الذي انتشر في سورية, هو سياسة, تستند على موروث تقليدي, سعودي من جهة وتركي من جهة أخرى. مع العلم أن النقاب الراهن في سورية تمتزج فيه رمزيات متواجدة تقليديا في بعض المدن السورية منذ أيام الاحتلال العثماني مع رمزيات ظاهرة الأفغان العرب, الذين أرسلوا بقرار دولي وإقليمي لمحاربة الوجود السوفييتي في أفغانستان 1980وما بعد, ومحورية تواجد الرمزيات الخليجية عموما والسعودية خصوصا, في هذه الظاهرة التي عادت إلينا, وبدأت تأخذ في كل بلد حيزاً, حتى وصلت إلى الجاليات المسلمة في أوروبا. وكنت قد تناولت هذا الموضوع في أكثر من مقال, المنع سياسي ولأهداف سياسية وليس لأهداف حقوقية.
المرأة المنقبة في أوروبا, لاتحتاج لمن يدافع عنها, لأن من ترتدي النقاب في أوروبا, هي امرأة متعلمة وفي الغالب مستقلة ماديا, وذات رأي في السياسة وفي السفور الأوروبي كما يسمى. ومع ذلك كنت أتمنى على الحكومات الأوروبية التي منعت وتريد منع النقاب أن تطرحه للتصويت على الجاليات المسلمة, وإن كان من باب الاستشارة سترى, أن الجالية المسلمة في اوروبا لا تريد النقاب.
بالعودة لسورية وما يدور الآن من أنباء عن منع المنقبات من التعليم ومن التعلم في الجامعات والمدارس. النقاب التركي كان محدوداً في بعض المدن السورية, وهو أتى بفرمان تركي أثناء الاحتلال العثماني لسورية والمنطقة. واستمر في بعض المدن, ولم ينتقل للريف السوري حتى تسعينات القرن العشرين. وكان هنالك نقابان شفافان واحد أبيض للمرأة من أصول تركية, والأسود للمرأة من أصول عربية, لكنه لم يكن هكذا حاسما من القدمين وحتى الرأس والوجه..هذا النقاب الحالي هو نقاب خليجي- أفغاني. وتريد بعض القوى السياسية والمدنية تحويله إلى نقاب إسلامي من أندونيسيا إلى المغرب. ثمة مفارقة لا بد لنا من تسجيلها, في المجتمع السعودي لم تكن المرأة بحاجة أصلا إلى نقاب, لأنها بالأساس لم تكن تخرج خارج البيت, قبل عقود. التي تنقبت وتنقبت- بضم التاء- هي المرأة التي خرجت إلى السوق والتعليم....وأخذ النقاب الآن أشكالا عصرية ومتعددة, وطبقية أيضا, فلكل مقام مقال.
كان لباس المرأة السورية الدمشقية المنقبة ملفتا للانتباه, فهي لا تغطي ساقيها حتى الركبتين إلا بجورب لحمي خفيف, ومع ذلك منقبة. الآن نقب الساقان أيضا, والسبب ليس دينيا أو وراثيا بل السبب قراءة سياسية للدين وجاهزية سياسية لوضع المرأة فيها.
بالمحصلة النقاب الحالي هو نقاب سياسي, كان يراه النظام السوري ينتشر منذ منتصف الثمانينات, واتسع انتشاره أكثر في التسعينات وما بعد..وهذا الانتشار كان وليد سياسة شارك فيها النظام وقوى سياسية متعددة, وإن كانت تأخذ لبوسا دينيا أو مدنيا. وانتشار السلفيات في سورية, سياسة أرادها النظام, لكي يواجه المد الديمقراطي في تسعينات القرن العشرين, تحت عنوان مواجهة الغزو الثقافي الغربي. وهذا يذكرنا ببدايات الأسد الأب, عندما كان يقمع كل المعارضة ماعدا المعارضة الإسلامية, حتى العام 1975 كان يغض الطرف عن نشاطها, ولا يريد فتح معركة معها, ليس خوفا وإنما ترتيبا للأوضاع.
موجة المنع الآن, في الواقع لا يمكن للمرء أن يتنبأ, لماذا اتخذت السلطة السياسية هذا القرار في سورية?
تقول مصادر أنه اتخذ لأسباب أمنية, ومصادر أخرى تقول أنه اتخذ لمواجهة التطرف, ربما بعد فترة قصيرة نجد قوى التنقيب السياسي هذا توجه رسالة للرئيس الأسد لكي يلغي هذه الإجراءات وربما يستجيب وربما لا يستجيب لا أحد منا يحزر, فالسلطة في النهاية شخص واحد.
حقوقيا المنع مرفوض, لكن سياسيا في الوضع السوري أرى بخلاف كثير من المعارضة السورية, أن منع النقاب في مؤسسات التعليم أمر ضروري ومهم جدا, في حال ترافق مع مجموعة من الإجراءات التوعوية والتشاركية وهذا لن يحدث في سورية بالطبع, لأن التشاركية عدو رقم واحد للنظام.
ربما الموقف من هذه الظاهرة, في المؤدى الأخير لا يمكن لنا مناقشته إلا في ضوء مناقشة, أزمة الحريات العامة المفقودة في سورية.
في العالم الغربي جاء المنع ديمقراطيا, وليس بقرار شخص واحد أو مجموعة من ضباط الأمن, سواء في بلجيكا أو فرنسا, ولأسباب مختلفة عن أسباب النظام السوري, كنا قد ناقشناها سابقا.
هنالك من أسر لنا بأن هذا الإجراء جاء نتيجة نصيحة فرنسية للنظام في دمشق, لكي يلمع صورته في الغرب, ولا نعرف مدى دقة هذه المعلومة.
قضية النقاب الآن في سورية يجب نقاشها ضمن نقاش غياب الحريات العامة وقسم كبير من الحريات الفردية, وليس نقاشها كظاهرة منفصلة.
استطاعت سياسات النظام وبعض القوى الأخرى الإقليمية والحزبية الإسلامية السياسية أن توجد عمقا اجتماعيا وثقافيا للنقاب في سورية, وإن كان محدودا لكنه ليس قليلاً, وهذا أمر يجب التوقف عنده, ودراسته, لأنه أداة من أدوات الحرب الأهلية النائمة.
كاتب سوري
ghassanmussa@gmail.com