قبل 52 سنة شهد العراق بداية الفاجعة العراقية المعاصرة والجريمة الوطنية الكبرى
حفلت صفحات التاريخ العراقي القديمة و الحديثة بفواجع عدة و بمآسي متواصلة ظلت للأسف على الدوام بمثابة محطات تاريخية ثابتة في مسيرة بلد تخصص في إنتاج الفواجع التي استمرت حتى العصر الحديث بوتائر و صيغ و اساليب مختلفة , و إذا كانت الفاجعة العراقية القائمة حاليا من فوضى واحتلال أجنبي و تصدع داخلي وسيادة صيغة من صيغ و أشكال الحرب الأهلية الداخلية و الانقسام الوطني الحاد الذي أدى في المحصلة العامة لحالة الفشل العراقي الكبير في بناء الدولة و في استثمار الموارد بالشكل الصحيح يؤشر على شيء فهو إنما يؤشر على حالة الخلل الفظيعة في تكوين الدولة العراقية المعاصرة التي خضعت لابتزاز و إرهاب العصابات الطائفية و التي كانت في الأساس من إفرازات حالة التدهور القيمي الشاملة التي عصفت بالعراق الحديث وهو يستقبل عصر الانقلابات العسكرية التي رسمت تاريخا وطريقا دموياً مرعباً دمر المجتمع العراقي , ففي مثل هذا اليوم 14 يوليو قبل 52 سنة بالتمام و الكمال شهدت بغداد بداية الفاجعة العراقية المعاصرة وحملت نسمات الصباح الأولى لذلك اليوم الصيفي المكفهر القائظ أنباء الجريمة الوطنية الكبرى بإعلان بعض القطعات العسكرية العراقية تمردها على الشرعية الدستورية و البدء و الشروع بتدبير انقلاب عسكري مباغت و غادر قدر له أن يكون البوابة الأولى لدخول العراق عصر الهمجية الثورية المتوحشة التي وضعت اللبنات الأولى لنهاية الحلم العراقي و تدمير مشروع بناء الدولة العراقية الحديثة وفقا لمواصفات العصر وهي المهمة التي رسمها النظام الملكي الهاشمي العراقي الذي قاد العراق في أصعب فترة من تاريخه ورسم من العدم بداية الطريق لبعث وطني عراقي جديد بعد قرون من الإضمحلال و التبعية و التلاشي و الخضوع للقوى الأجنبية المحتلة , في ذلك اليوم الصيفي المرعب بلغ الغدر أعلى مستوياته و أنقض الإنقلابيون الرعاع على الشرعية الدستورية و الوطنية و قتل العسكريون الفاشست بدم بارد جميع أفراد العائلة الهاشمية العراقية المالكة التي كانت آمنة مطمئنة لم ترتكب جرما و لا جريرة و تعرضت لحالة غدر لم تكن مختلفة من قريب أو بعيد عن حالة الغدر التي تعرض لها سيدنا الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) و العائلة النبوية في بطاح كربلاء قبل أربعة عشر قرنا من الزمان , في صورة نمطية و علامة فارقة للغدر التاريخي المتوارث , لقد أستشهد فجر ذلك اليوم التموزي الغادر ثلة من رجال و نساء أوفياء نذروا أنفسهم ووهبوا حياتهم للمصلحة العامة , ورحل مغدورا الملك العراقي الشاب وقتذاك فيصل الثاني بن غازي بن فيصل بن الحسين أحفاد أهل بيت النبوة الكرام والوصي على العرش الأمير عبد الآله بن علي بن الحسين قبل أن تكتمل معالم مجزرة العار الكبرى باستشهاد الرمز الوطني الكبير و أحد مؤسسي الكيان العراقي الحديث المرحوم نوري باشا السعيد بطريقة وحشية معيبة بعد أن تسيد الرعاع الموقف و سادت ثقافة السحل و القتل و تقطيع الأوصال البشرية و برزت الفئات الهمجية لتمارس دوراً ثورياً قدر له فيما بعد أن يكون هو الطريق و المنهج في نظام الحكم في العراق بهمجية العسكر و ثقافتهم المحدودة و فكرهم الأعوج الذي قاد المجتمع العراقي في النهاية نحو الدمار بعد أن دمر الإنقلابيون القتلة كل أسس و مقومات بناء الدولة الحديثة بمواصفاتها العصرية و أدخلوا العراق في عصر الإنقلابات العسكرية التي عمدت بالدم شوارع العراق و رسمت ملامح فتننه الوطنية الكبرى, لقد عمل العهد الملكي العراقي بجد و إجتهاد من أجل بلورة مشروع لدولة عراقية عصرية حديثة كان قادة الدولة العراقية الهاشمية قد رسموا معالمها ووضعوا اللبنات الأولى في تشييدها في وقت كان فيه العراق يمر بمرحلة تطور متقدمة جدا وفقا لمواصفات و موازين تلك المرحلة , لقد حول الإنقلابيون العسكريون القتلة الوضع العراقي الى سيناريوهات وطرق الجحيم و سرعان ما شربوا هم أنفسهم من كؤوس الدم نفسها التي سقوها للآخرين ورحلوا بطرق بشعة , و يطول الكلام كثيرا في استنكار و تذكر ما حدث و لكنني أردت فقط من خلال هذا المقال التذكيري للتاريخ تعزية العائلة الهاشمية العراقية التي قدمت للعراق كل ما تستطيع , فالمجد و الخلود لشهداء العرش العراقي برجاله و نسائه , و العار كل العار للقتلة و الفاشيست , وهاهو العراق المدمى حاليا يعيش نتائج ذلك الانقلاب الدموي الأسود , و اللعنة على القتلة و المجرمين.
كاتب عراقي
dawoodalbasri@hotmail.com