وقفة تأمل
لم يستوعب الخطاب السياسي التحول في المشهد السياسي بل رضي بما تريده السلطة
أحد أهم الأسباب التي جعلت الخطاب السياسي للحركات والأحزاب يفشل في صناعة ثقافة سياسية داعمة للديمقراطية ومكافحة من أجلها, هي أنه لم يستطع استيعاب التحول السياسي الذي بدأ خلال العقدين الأخيرين في العلاقة مع السلطة والنظام.
فالخطاب السياسي الذي كان يعتمد في علاقته مع السلطة على أدبيات رفض الشرعية والاستبداد والعمالة لم يستطع فيما بعد التحول والانفتاحات السياسية التي بدأت ودشنت منذ عقدين أن يصنع له ثوابت وأدبيات واضحة ومتوازنة في علاقته مع النظام والسلطة, فكان أن استند على ما تريده الدعاية الرسمية, وهي دولة الحريات والديمقراطية.
اعتمد الخطاب السياسي في علاقته مع السلطة من حيث يعلم أو لا يعلم على أدبيات وثوابت دولة القانون والديمقراطية والحريات المدنية والسياسية, ولعل هذا ما أفشل الخطاب السياسي في بلورة وعي سياسي وثقافة سياسية داعمة للديمقراطية ومناضلة من أجل تحقيقها, تماما كما كان الوعي السياسي فيما قبل التحول مناضلا من أجل رفض نفس هذا النظام وهذه السلطة, فالثقافة السياسية التي تؤمن بأنها تعيش في مرحلة ما بعد الديمقراطية لن تكون مستعدة إلا بالاعتراف ببعض العيوب التي تحدث في جميع ديمقراطيات الدول المتقدمة, ولن تكون مستعدة لتقبل فكرة أنها لم تستكمل ديمقراطيتها بعد.
الفشل الذي وقع فيه الخطاب السياسي أنه لم يستنبت في الوعي السياسي المجتمعي فكرة أنه لا يزال في خطواته الأولى نحو التطور الديمقراطي, وهذا كان ممكنا أن يحدث إذا لم يقفز من أدبياته الثورية إلى أدبيات وثوابت الدولة الديمقراطية القائمة على علاقتها القانونية بالمجتمع, وإنما كان لا بد من الاتكاء على ثوابت أخرى يعي المجتمع من خلالها أنه في مرحلة اختبار وامتحان صدق الدولة والسلطة بالنسبة للتحول نحو الديمقراطية من عدمه.
من الأسباب التي لم تستطع المعارضات السياسية في مرحلة ما بعد التحول أن ترفع سقف مطالباتها السياسية أنها لم تجد تجاوبا واستساغة لدى الشارع الذي يؤمن بأن ما هو قائم صحيح وديمقراطي وتغييره استبداد وغير شرعي وربما عمالة.
ما يمكن تلخيصه هنا أن الخطاب السياسي لم يستوعب التحول في المشهد السياسي فكان أن رضي بما تريده السلطة من استبدال الأدبيات الثورية السابقة فيما يخص علاقته مع النظام إلى أدبيات القانون والحريات والتعددية, فكان أن صنع وعيا سياسيا مجتمعيا مقتنعا تماما بتجربته الديمقراطية الجديدة, ولهذا لم يعتبر أي قمع, عدم احترام حقوق الانسان, تقليص الحريات الإعلامية, اختراق القانون, المحاصصة الطائفية, التضييق على مؤسسات المجتمع المدني وغيرها من ممارسات النظام تحديا للديمقراطية, بل مسائل يمكن تجاوزها بسهولة ومن دون صدام.
تعود أسباب عدم قدرة الخطاب السياسي على استيعاب تحول مرحلة الانفتاحات السياسية إلى أن هذه الحركات والأحزاب لم تجدد مشروعها ورؤيتها السياسية للمرحلة الجديدة, أي أنها دخلت إلى الساحة من دون أجندة سياسية واضحة ولعل الكثير منها لا يزال يراوح مكانه, ويتكئ على براعة البعض في توليف مواقفه السياسية.
فالهرولة نحو حجز مقعد برلماني وموقعية سياسية والحصول على امتيازات في علاقتها مع السلطة جعلت عددا من الأحزاب تتجاوز أهمية صناعة أجندة سياسية وخطاب سياسي لمشهد ما بعد التحول, فكان أن رسخت وضعا جديدا في وعي المجتمع قائما على أن ما من مزيد يمكن أن تقدمه الأحزاب السياسية في دولة استكملت نموذجها الديمقراطي ولو ليس بصورة مثالية لكنها مقبولة.
المشكلة الحقيقة أنه عندما يقتنع الوعي السياسي بالنموذج والوضع الديمقراطي القائم الذي هو في الحقيقة لا يعتبر كذلك فإنه يتجه في ظل انعدام الثقافة الديمقراطية وثقافة التعددية إلى معركة جديدة لكن ليس مع النظام هذه المرة وإنما مع نفسه, فينخر في جسده ليقسمه إلى طبقات ومذاهب وطوائف وتدب الطائفية في الحياة ليس الاجتماعية فحسب وإنما السياسية أيضا كونها استكملت مشروعها الديمقراطي ولا خوف على الديمقراطية وإنما الخوف هو من الرافضة أو النواصب.
* كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com