لماذا يرخص شاطئ خاص بالنساء في سورية ولا يرخص لجمعية حقوق انسان?
السلطة الديكتاتورية لا تعيد صياغة المجتمع على شاكلتها فقط, بل تجعل من نفسها سيدة للمعنى, كثافته وسيولته, قاعه وسقفه, يتحول الوجود برمته إلى إيحاء من المعنى هذا. ثلاثة أجيال تقريبا وهذا المعنى يحيط بنا, 40 عاما, إلا تكفينا ثلاثة أجيال من قمع كل المعاني الأخرى, وبكل الطرق, لكي نعترف جميعا, بأن للسلطة الدور الأساس في التباس المعنى سوريا?
السلطة حرثت خلال عقود أربعة وأكثر, كل الأرض السورية, ونبشت كل معالمها ودرست رقمها, وفككت بحفرياتها, كل الرقم المادية والرمزية, أعادت قراءتها, وقدمتها إلينا كما تريدها هي, وليس كما نحن كنا أو كما لا تشتهي هي, السلطة في الزمن الرأسمالي كله هي فعل فاعل, وليست نتاج ثقافة, هي فعل فاعل يمتلك القوة, أو امتلكها في لحظة ليست غفلا أبدا من لحظات التاريخ, الموزع على حوامله الدولية والإقليمية و السورية.
السلطة المشخصنة فعل فاعل واحد, طرف واحد وحيد يصيغ بالقوة العارية والمبطنة والمتراكمة, وغير العارية كل شيء حوله, مصلحته واحدة متماسكة على نفسها, لولا النموذج السوفياتي لما كان للسلطة أن تأتي على هذه الشاكلة, لولا نفط المنطقة ككل, لولا الصراع العربي - الإسرائيلي ومفرزاته, لولا الحرب الباردة, لولا مؤسسات القوة في النظام الرأسمالي العالمي, كلها- عفوا منكم- لولات- لا علاقة له بثقافة مجتمعاتنا, وهل يمكن لثقافة متخلفة أن تتسلم سلطة من دون أن تمر عبر قنوات النظام الدولي, منذ أن تدولنت منطقة الشرق الأوسط برمتها, وسورية ليست استثناء.
في زمن الخمسينات السوري, كانت الثقافة الإسلامية الراهنة ضعيفة لدرجة أنها لم تستطع أن تنجب تعبيرا سياسيا واحدا, له وزنه في متغيرات اللوحة السورية وحركيتها تلك الأثناء. كان نموذج الفاعلية السورية هو النموذج الغربي, وليس نموذج الخلافة الراشدية أو السوفياتية, القوة وليست الثقافة هي من لعبت باللوحة السورية.
حتى" الإخوان المسلمون" في سورية هم امتداد مصري, نشأ وترعرع في اللحظة الإنكليزية- المصرية, وليس نتاج ثقافة مجتمعية.
"الناصرية" التي أتت إلى سورية مع الوحدة, كلحظة بدء انعكاس النظام الدولي على البلد, لم تكن نموذجا إسلاميا لا وهابيا ولا معتدلا, كانت نموذجا سياسيا وثقافيا معاصرا بكل ما تحمله كلمة معاصرة من دلالات تاريخانية إيجابية كانت أم سلبية, لسنا بصدد الحكم القيمي عليها الان.
كما أنتم يولى عليكم, عبارة معاصرة جدا جدا في سورية. عبارة هي نتاج التسعينات من القرن العشرين, يراد لها أن تكون عنوانا يوميا لثقافة مستهلكة, تعتقد أنها ديمقراطية وعلمانية, بينما هي جزء من ثقافة عضوية راهنة للسلطة, لم تكن مجال تداول طوال عقود أربعة تقريبا من تاريخ سورية بعد الاستقلال.
تارة تقولون أن البعث علماني, وبالتالي السلطة علمانية, ومرة أخرى تقولون كما أنتم يولى عليكم.
عندما جاء انقلاب 1970ما هي الثقافة العالمة التي كانت سائدة في سورية? أم أنكم ياسادة تريدون تحميل الفلاح السوري, وثقافته الشفهية مسؤولية السلطة الحالية? أجهزة التعليم وملحقاته ومناهجه- يدرس فيها دور الرئيس الراحل وأقواله, هي تحت إشراف السلطة منذ عام 1970 وحتى الآن, والثقافة العالمة في سورية الآن بعد مضي أربعة عقود, هي نتاج لهذه الأجهزة, فإذا كانت الثقافة العالمة الآن لأكثرية المجتمع السوري وهابية, معنى ذلك أن السبب في جذره يعود لتلك الأجهزة, وليس لسبب آخر.
الدولة السورية, تحولت إلى دولة البعث عام 1963 أليس هذا الشعار وصل إلى حد التدريس في المناهج, ثم تحولت بعد سبع سنوات إلى دولة الرئيس الراحل حافظ الأسد, كتعبير عن جملة مصالح, وليس نتاج ثقافة وهابية, لدى سنة سورية, كل إنجاز تم في سورية سمي بكنية السلطة" الأسد" لهذا أي حديث عن السلطة عبر تسميتها دولة هو نتاج التباس المعنى, والذي تريده السلطة ملتبسا أيضا.
سقوط السوفيات علامة فارقة, فما كان أمام السلطة السورية إلا أحد الخيارين: إما أن تستجيب للمتغير الذي حدث, وتفرج عن الدولة والمجتمع السوري وتكون طرفا في تحول ديمقراطي فوقي, كما حدث في كثير من دول العالم بما فيها دول عربية, أو أن تلتجئ لبديل يحميها, من الغزو الغربي الديمقراطي آنذاك, فأي بديل هذا: إما كوريا الشمالية- وهذا بديل هزيل دوليا- أو اللجوء لبديل محلي واللعب فيه, الدين, وما أسهل اللعب فيه, حتى وصلنا إلى لحظة, علقت جماعة "الإخوان المسلمين" في سورية. نشاطها المعارض وشكلت جزءا من غطاء النظام الإسلاموي هذا...وغزة آخر الحسابات.
لنلاحظ أن كل المجتمعات العربية بما فيها المجتمع السعودي- الفتاوى المتعددة والمتناقضة في المجتمع السعودي هي نتاج لحراك المجتمع المدني السعودي, قد فك أسرها نسبيا, وتشهد حراكات مدنية قوية إلا المجتمع المدني السوري مازال محجوزا, لماذا?
المجتمعات المدنية الخليجية والمغاربية- حتى في تونس التي زارها الرئيس بشار الأسد اخيرا - وحوض النيل بات لها ملامح فاعلية في اللوحة السياسية في هذه الدول, إلا سورية, لماذا?
الثروة السورية ماديا ورمزيا الآن من يتحكم بها?
لماذا يعطى ترخيص لشاطئ خاص للنساء, ولا يعطى ترخيص لجمعية حقوق إنسان?
هيثم المالح يعتقل, وعلي العبدالله يبقى في السجن ويحاكمان عسكريا, واتحاد علماء المسلمين ورموز "الإخوان المسلمين" العرب, والتيارات الجهادية تسرح وتمرح في سورية?
ياسين الحاج صالح مثقف عضوي لمجتمع مأمول" ديمقراطي. أبي حسن مثقف عضوي للوضع السياسي والمجتمعي القائم الآن وفي هذه اللحظة.
ياسين يحاول تحت الضغط العياني اجتراح المعاني التي يمليها شرطه الحياتي والفكري والسياسي عليه..
وأبي حسن أيضا يحاول اجتراح كل المعاني التي من شأنها إعلاء المعنى الوحيد للوضع القائم. وهذه مصلحة وليست غير ذلك, بغض النظر عن أن المعارضة السورية سيئة أم جيدة..وما الضير أن يخاف أبي حسن على طائفته من الفتنة, السبب بسيط جدا أجاب عنه أبي حسن نفسه, بوعي منه أم من دونه... يقول أبي حسن في معرض رده على ياسين الحاج صالح التالي" من نافلة القول إنه كان للمشايخ (والاقطاع) تلك السلطة حتى مطلع خمسينات القرن الماضي عموما, ونعتقد أن سلطتهم انقرضت بشكل شبه كلي بعد عام 1963. فقد انخرط معظم الشباب العلوي, ومنذ أواسط القرن الماضي, في الأحزاب العلمانية التي عرفتها سورة, كحزب "البعث" و"الشيوعي" و"السوري القومي الاجتماعي", وباتت مرجعياتهم حزبية لا طائفية أو عشائرية, وعقلانية جراء دخولهم المدارس والجامعات, هذا ما كان عليه الواقع, قبل العودة إلى الأصولية التي تخيم على المنطقة عموما".
ما يقوله أبي حسن هنا صحيح تماما فمنذ عام 1970 أخذت السلطة على عاتقها, دور مشايخ الطائفة, وأصبحت معبرا عن ذلك الدور, وتؤديه تماما كما تمارس بالدين عموما, لا تريد صوتا آخر غير صوتها داخل الطائفة, ولهذا وعلى ذمة أبي حسن قتل الشيخ حيث يقول"توجد حاشية في كتابي تتحدث عن أحد أبرز رجال اللاهوت العلويين الذي سبق أن نظم قصيدة في هجاء السلطة و"الإخوان المسلمين" سنة 1978, فذهب ضحية قصيدته تلك, وسرت شائعة آنذاك أن بعض السلطة كان وراء تصفيته! هذا ما قاله أبي حسن في مقاله.
من حق أبي أن يدافع عن الوضع القائم, بكل ما فيه وهو يعرف ما فيه جيدا جدا, وربما أكثر منا جميعا, أبي ليس رجل مخابرات كما يمكن لبعض المعارضة نعته, أبدا, رغم أنني لا أعرف للرجل, لا شخصيا ولا افتراضيا,ولكن أتابعه, أبي مثقف وله إضاءات ليست قليلة وإلا ما كان ياسين الحاج صالح قد رد عليه!
ما تحدث به أبي عن بعض معارضتنا صحيح, وليس عيبا نشر غسلينا, أما التعرض لهيثم المالح فهذه سقطة ما كنت أحب لأبي أن يقع فيها!
الديمقراطية مطلب مصلحي وقيمي, ولهذا ليس شرطا أن يكون كل من يطالب بالديمقراطية نبيا كحال الدفاع عن الوضع القائم, ليس كل من يدافع عنه شرا مطلقا, لدينا مثقفون كبار تركوا بصمة في ثقافتنا العربية والسورية, يدافعون عن الوضع القائم الآن, ذكرهم أبي وياسين.
ربما أبي أكثر صدقا مع قناعاته من الكثير من المعارضة ورموزها, ولا أستثني نفسي, ولكن هناك حقيقة لم تعد تحتمل اللعب على معانيها لا من قبلنا ولا من قبل أبي, وهي أن النظام" أكثر النظم فسادا ونهبا لخيرات البلد, هذه وقائع وليست تحليلات, وأكثر النظم زبائنية, ومازال القمع رمزيا وماديا سيد الموقف في هذا الزمن, وأبي يعرف ذلك ويدافع فهذا شأنه ومصلحته, ولكن من حقنا أيضا أن نرد عليه.
***
هذا المقال جاء تعقيبا على مقال بجزئين للكاتب السوري أبي حسن يرد فيه على مقال لياسين الحاج صالح منشور في فصلية" كلمن" الجديدة.
* كاتب سوري
ghassanmussa@gmail.com