من وحي الناس
هذه الامتحانات لا تخضع لمنطق العقل ولا لموقف سلوكي أو فلسفي ولا تعطي تقويماً حقيقياً للطالب
من خلال إعمال الفكر والبحث, والتقصي في نظامنا التعليمي نرى مدى ما لحق بهذا النظام التعليمي من تخريب, وجمود, وتخلف, وقفل لبوابات الابتكار, والإبداع وسيطرة مناهج التلقين, والاجترار, والاستظهار, وسبك القوالب واستنساخ بعضها من البعض الآخر, وخلط مناهج التربية الإسلامية باللغة العربية والاجتماعيات, وكذلك مواد العلوم الأخرى مغمسة في فكر سلفي عدمي ضد الحياة, والعلم, والحوار , والتسامح, والاعتماد على النفس, وعدم التدريب على نهج مستقل في الاختلاف, والابتكار, والتحليل, والمبادرة, والنقد الحر, بل حشو من المعلومات التي فرغ التاريخ منها في بيئة مدرسية قاحلة تفترس العقل والقلب, وتحركه كالريموت كونترول بسلاسل طويلة من التحريمات , والممنوعات , والأوامر والنواهي, وتسييس التعليم , والقائه في دوامة السياسة التي تدمج العلم بالدين وإنتاج المعرفة على أساس سلطة النصوص حتى تحول التراث الذي تم اختزاله في هوية يمثل التخلي عنها وقوعاً في العدمية, والضياع لتصبح مهمة العقل محصورة في توليد النصوص من نصوص سابقة مما يجعل التراث الديني الإطار المرجعي الوحيد لكل معرفة , ولكل ممارسة وسلوك مضافا اليها المعلم الضحل الذي لا يطور نفسه, ولا يجد في النظام التعليمي منفذا يعينه على التدريب, والتطوير, وتجديد معلوماته, وهكذا دواليك من المرحلة الابتدائية, وحتى الجامعية التي يتدنى المستوى المعرفي والسلوكي فيها لدرجة أنها أصبحت امتدادا للمرحلة الثانوية لأن الاسلوب هو نفسه , ولا يتغير في التحصيل الدراسي, والوعي الشخصي, والارتقاء النفسي, والعقلي الذي يمثله عدم الاختلاط في الحرم الجامعي تحت وطأة الهاجس الجنسي. فعناصر الصدمة في تعليمنا المهترئ كثيرة وليس هنا المجال لسردها, ولكن يمكن ان نأخذ مثالاً للتدهور المريع في مجال تعليمنا وجامعاتنا وهو الامتحان الذي ينتصب كالشبح الخرافي للطلاب, ولأولياء أمور الطلبة , وكأنه من المقدسات التعليمية, وليس جزءاً متمماً للعملية التعليمية المعتمدة على النشاط الطلابي في البحوث, والقدرة على استيعاب المادة في الفصل أو المحاضرة والقدرة على النقاش, والفهم , وطرح الاسئلة, فهذه الامتحانات لا تخضع لمنطق العقل ولا لموقف سلوكي أو فلسفي , ولا موضوعي ولا تعطي تقويما حقيقيا للطالب الا على أنه مستودع للمعلومات يحفظها , ويحشو ذهنه بها ثم يتقيأها على ورقة الامتحان, اما العقل الممتلئ بالخبرات, وبالمعارف المكتسبة , والمقتدر على التساؤل والشك, والنقد, والتحليل , والابتكار والابداع والفهم للمعارف والعلوم فهذه الأمور تتطاير كالقش في الحريق. فهذه الامتحانات التي تشبه الديناصورات المنقرضة تمتاز بالتعجيز , والألغاز, والأحاجي, وربما تأتي من مراحل سابقة, وكأنها شباك لاصطياد الطالب في لحظة من الزمن لا تعتبر مقياساً لمواهبه ولا قدراته المعرفية أو مشاركته في الفصل, وقوة بديهته , وثروته العلمية المضافة, وقدرته على التفسير والايضاح فكل هذه المعاني التي يتسلح بها الطالب بالوعي,والعقل, والذكاء تسقط امام هذا الامتحان المرعب, والمدمر للأعصاب, ولمستقبل الطلاب. فهل يدرك القائمون على العملية التعليمية ان الامتحان كأي مشكله حياتية يواجهها الإنسان على مدى مسيرة عمره, وليست فنا ً للمخاتلة, والتمويه, والمخادعة, والتصيد وحتى لا يصبح مستقبل ابنائنا وبناتنا مثل كرة الطائرة التي تصفعها الايدي, وتركلها الاقدام لتسجيل النقاط على الخصم.
* كاتب كويتي