Porsche
إقرأ المزيد..
  • الحمود يرفض التوزير احتجاجا على اخت...
  • دول "الخليجي" تتجه للاعتراف بـ"المج...
  • الأمير وولي العهد وكبار الشيوخ في ض...
  • صوت البراك.. للوسمي لا للسلطان
آخر المستجدات:

الصفحة الرئيسية  أحمد غلوم بن علي
22/06/2010
تراجع الخطاب السياسي الإسلامي

وقفة تأمل

الخطاب السياسي الإسلامي اليوم عجز عن تحقيق أي حراك في الوعي والرؤية السياسية للمجتمع


   لا جدال في أن الخطاب السياسي للحركة الإسلامية كان الأقوى والأعلى صوتا قبل مرحلة الانفتاحات السياسية ودخولها في المشهد الجديد من المشاركة السياسية والمواجهة المباشرة مع الأفرقاء السياسيين والسلطة عموما, ومع أن الحركة كانت في تلك المرحلة تنقصها الكثير من الإمكانات وتفتقد الاتصال المباشر مع المجتمع إلا أن خطابها السياسي كان الأقدر على تحريك الوعي السياسي في المجتمع مما هو عليه اليوم حيث الاتصال المباشر والإمكانات غير المحدودة.
   البعض ينسب تلك القوة والقدرة في الخطاب السابق إلى عموميته, فهو كان أشبه بإعلان مواقف ومبادئ, فخطاب ما قبل المشاركة والمواجهة يتسم عادة بالشمولية والعمومية كونه غير مهتم بالتفاصيل اليومية في الحياة السياسية كما هو في ظل المشاركة والممارسة السياسيتين, والجواب على ذلك أن قسما من ذلك صحيح لكن من المؤكد أنه لا يمكن اعتباره سببا عاما, وبعبارة أخرى, عمومية الخطاب السياسي للحركة في تلك المرحلة صحيح أنها كانت عاملا مساعدا لقوة وقدرة الخطاب من حيث أنها لم تبتل في حيثيات الإصلاح السياسي كما هو اليوم, لكن ما هو غير صحيح أن عمومية الخطاب لم تتسم بالسذاجة والبساطة, فعموميته كانت تنسجم مع تلك المرحلة وكانت تعتبر آنذاك أنه خطاب غير عام وفضفاض وإنما مفصل في أدق التفاصيل, ولهذا كان قادرا على تحريك الوعي السياسي المجتمعي.
   في الواقع إن أردنا أن نصف أي خطاب بالعمومية فإننا نصف خطاب اليوم بأنه كذلك, فالخطاب السياسي الإسلامي اليوم عجز عن تحقيق أي حراك في الوعي السياسي والرؤية السياسية لدى المجتمع, فعناوين كالإصلاح السياسي وحقوق الإنسان وضمان الحريات المدنية والسياسية والتحول الديمقراطي وتحرير المجتمع المدني كلها عناوين يحفظها المجتمع اليوم تماما كما أنها المفردات الطاغية في الخطاب السياسي, أما التفاصيل التي تصنع التفاعل والحراك السياسيين فهي غائبة عن وعي المجتمع, فأي نظام سياسي يهدف إليه  التحول الديمقراطي, وما هي المقاصد المرحلية للإصلاح السياسي, وما هي المرجعية السياسية التي يرتكز عليها الخطاب السياسي نفسه, أي ما هي حدود الالتقاء والافتراق مع السلطة, وأي مبادئ تحكم العلاقة مع الأفرقاء والمتخاصمين سياسيا, وغير ذلك من العناوين التي تساهم في توليد تفاعل وتحرك في الوعي السياسي المجتمعي.
   التذبذب السياسي كذلك سمة الخطاب اليوم, فالتغير والتذبذب المستمر في المواقع السياسية والتغير المرافق له في الخطاب السياسي أدى إلى شلل هذا الخطاب وعم قدرته على إحداث أي حراك مجتمعي, فالتغير المفاجئ والسريع في الأدوار أي بين السلطة والمعارضة, أو بين المواقف المبدئية والمطالب الشعبية, أو بين دعوات الوحدة والاشتراك في التقاتل الديني, وبين احترام القانون واحترام القبيلة, كل تلك التناقضات لا تصنع مقومات لتقدم أي خطاب سياسي, لأن أساس أي وعي سياسي هو وجود ثوابت ومرجعية تستند عليها مفردات الوعي.
   من الواضح كذلك أن الصفيح الساخن الذي تعيش عليه مجتمعاتنا تشترك الحركات الإسلامية مع آخرين في إشعال وقوده, بل تغيرت وبرزت بعض التجمعات والأحزاب التي امتهنت التأجيج الطائفي والاحتراب المذهبي, والخطاب السياسي الذي يفوح منه روائح طائفية نتنة بالتأكيد لن يساهم في انضاج وعي سياسي وإنما تسطيحه للحد الذي لا يرى فيه المجتمع إلا عدوه الديني.
   إن وقوف بعض الحركات الإسلامية التي تتسم بالاعتدال مكتوفة الأيدي أمام موجات الهيجان الطائفي إنما يشكك في القيم والمبادئ السياسية التي تميز الخطاب الإسلامي السياسي عن غيره, فإن تحدثنا عن شرعية الخطاب فإن جزءا من تلك الشرعية يستمدها الخطاب الإسلامي السياسي إلى كونه يرتكز على المبادئ والقيم الإسلامية العامة, والتي ترتكز بدورها على مقاصد الشريعة, أي الوحدة والتعايش والحفاظ على بيضة الإسلام وغير ذلك من المقاصد العامة, ولعل هذا لا يعتبر دليلا على تراجع الخطاب السياسي إن أخذنا الوعي السياسي المجتمعي معيارا ومقياسا, لكنه يعتبر تراجعا إذا ما اعتبرنا المرجعية الإسلامية السياسية مقياسا.
   من الممكن من جانب آخر إيعاز دليل التراجع في الخطاب السياسي الإسلامي إلى خروج السياسة الخارجية وقضايا الأمة من هذا الخطاب, فبعدما كانت القضايا العربية والإسلامية هي على سلم أولويات أجندات الحركة الإسلامية قبل أقل من نصف قرن أصبحت أجندات وأدبيات الحركات اليوم وفي مرحلة المشاركة السياسية والاستقلال السياسي القطري من ثانويات المشروع والرؤية السياسيين وبالتالي لا أثر له في الخطاب السياسي.
   فلا يعدو اهتمام الحركة أكثر من ردود الأفعال الشعبية مع كل انتهاك جديد لحرمة القضايا العربية والإسلامية, ويمكن الإقرار اليوم بصراحة ووضوح أن لا دور وأثر للخطاب السياسي والأجندة السياسية للحركة الإسلامية على السياسات الخارجية للنظم العربية, كما لا أثر للخطاب السياسي على طبيعة تصورات ورؤى المجتمع تجاه القضايا العربية والإسلامية وعلى رأسها الاحتلال والصراع العربي الفلسطيني.
   إن تراجع الخطاب السياسي الإسلامي في ظل الإمكانات والقابليات المحافظة في مجتمعاتنا الاسلامية يجعل الحساب والاتهام مضاعفا للحركة الإسلامية عن غيرها من الحركات والأحزاب السياسية, ويصعب القول إنه لا بد للحركة من العودة إلى الأدبيات السياسية السابقة والانطلاق منها من جديد لبلورة خطاب سياسي متزن وواضح متناغم مع القيم والمبادئ الإسلامية, وهذا الأخير ما أسميه بعملية تهذيب الخطاب السياسي الإسلامي.
* كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com

 

ملاحظة: إن الآراء المذكورة في التعليقات تعبر عن وجهة نظر أصحابها فقط ولا تعكس بالضرورة رأي صحيفة "السياسة"
الاسم*
عنوان التعليق*
التعليق*