من وحي الناس
صرنا الآن نعيش لنأكل وإن ملكنا السلاح فالاستعداد للحروب الأهلية والفتن الداخلية
كنا منذ زمن غير بعيد نأكل لنعيش, ونقرأ لنفهم ونتعلم ونسافر كي نعود بفوائد السفر الست, وكانت فصول السنة أربعة "ما عدا الكويت" ولكل فصل نكهته, ورائحته, ولونه, وايقاعه في نفوسنا وكنا نأكل ما نزرع , ومما نتعب, ومما نتج, ونشرب من ماء تجود به السماء وباطن الأرض فما الذي جرى لنا في هذه العقود الاخيرة, بعد ان زهونا على اسلافنا, وأجدادنا بهذا التقدم الحضاري, والتكنولوجي, والعمراني والمعلوماتي, وبعد أن صار لدينا من المدارس والجامعات التي يتخرج فيها مئات الألوف ان لم يكن بالملايين والتي يوشك ان يكون عددها بعدد الحوانيت?
فياللعجب والعيب, والرثاء صرنا الآن نعيش لنأكل وأن ملكنا السلاح فالاستعداد للحروب الاهلية, والفتن الداخلية التي يجرى تصنيعها خارج حدودنا واذا قرأنا لا نستوعب وربما لا نفهم, ونسافر كي لا نعود هرباً كي لا تتدمر عقولنا او تعلب او تعتقل, او تزج في السجون كما حدث للاستاذ محمد عبدالقادر الجاسم, وامثاله ما أكثرهم على امتداد بلدان هذه الأمة.
وانتهت فصول السنة الى فصل واحد لا لون, ولا طعم ولا رائحة له ولا فرح فيه, وصرنا نأكل الفول المعلب من الصين, والحمص من تايلاند وزيت الزيتون, والزيتون من اليونان واسبانيا وربما من عدونا اسرائيل, اما الماء فحكايته شجن وألم ينبع من القلب, ولا يجد له مصبا فيسيل في الطرقات هدراً , واستخفافا, والكثيرون يضربون نواقيس الخطر ويحذروننا من يوم لا نجد فيه كوب ماء يروي ظمأنا, وهذا ليس فقط لان مصادر مياهنا من خارج حدودنا ونظامنا القومي بل لأن الاعوام المقبلة عجاف بسبب ما قضمه الغزاة من خرائطنا, ومما يتهددنا من التصحر الذي لم نضعه في حساباتنا ولا في ذاكرتنا المعطوبة, وقد يبدو هذا الكلام صادما, ومتشائلا لمن يبدأون نهاراتهم بالعزف بأصابع مبتورة لان خداع النفس, والتفكير الأعمى يحول السراب الى بحيرات لا حدود لها, وهناك منا من يرضعون الدمى واهمين ان القطن والقش اللذين في احشائها سيتحولان الى لحم ودم مع اننا لسنا ضد الحلم شرط الا تتسع المسافة بين الحلم والرغبة والقدرة على اشباعها فتنقطع الصلة بينهما بحيث تنقلب الاسطورة الى واقع مرير, وحقيقي مروع, فالاسطورة التي نعنيها تقول ان هناك انسانا تشققت شفتاه من الظمأ وقرض باطن خده من الجوع واجتر نفسه من داخلها ثم افاق فوجد نفسه على مقربة من عناقيد تدنو, وتبتعد ومن ماء ما ان يوشك الفم ان يرتشفه حتى يبتعد فكيف حدث هذا التناسب العكسي بين الشيء ونقيضه, وبأية عبقرية صار "ميداس" الجديد يحول الذهب اذا لامسه الى قصدير, واحيانا يجعل الانسان يمشي على رأسه فتعلو العين على الحاجب, وكأن الاسطرلاب الذي حمله اول مستشرق الى بلاد الشمس, وعاد من جديد لتبدو الابراج مقلوبة والاشجار جذورها في الأعلى واغصانها وأوراقها تتمرغ في التراب, فقبل ان نعرف السيارة , والطائرة , والسفينة, ذهب هذا الانسان الى الصين طلبا للعلم ووثب على جواده من قارة إلى قارة, وتردد صهيل جواده الابجر في تلك البلاد النائية وكان لهذا الصهيل وقع الرسالة وابجدية الحروف, وحين وقف احد الاصدقاء على ضريح في سمرقند لاحد اجداده قال: كيف وصل هذا القائد إلى هنا ونحن الذين جئنا بالطائرة? لم أرد, لكن احسست ان صهيل الجواد يغشى المكان كله, وتلفت على الاطلال وسألت نفسي: ما الذي جرى لأمة كانوا يأكلون القليل ليعيشوا طويلا, وكانوا يجترحون الماء من الصخر, وتشرق الشمس تقبل عيونهم التي يتلألأ فيها شوق بطولي وشعاع رسالة? انها أحجية الاحاجي كلها وهي بانتظار من يجيب عن هذا السؤال ويكسر الاقفال ويقول لنا ماذا حدث لهذه الامة التي يبكي التاريخ على حالها المزرية واعدائها قبل اصدقائها?
*كاتب كويتي