من وحي الناس
نقولها بكل كبرياء واعتداد بأعز ما نملك لسنا يائسين من واقعنا المنجمي لكننا يائسون ممن جربناهم
تتقلص الأيام في كويتنا على ترد مريع, ويزداد فساداً, وتتراكم مشكلاتنا من دون حلول ناجعة لها حتى لكأن الأبواب سدت أمام كل محاولة للخروج من هذه الدوائر المغلقة حتى طفحت كالمجاري في شوارع مشرف, وتلوث الهواء, والبحر صار مكبا لمياه الصرف القذرة فتحولت زرقته وصفاؤه الى اللون الرمادي, واذا الاصوات التي تنطلق بالوهم, والعقم والاحباط والجهل في عقل خامد, وهامد, وقد تعفنت بالانانية, وشهوة السلب, والصراعات المذهبية, ونهب العافية, وتخريب وعرقلة التنمية, والجلوس على مقاعد المصالح الشخصية الضيقة, وكأن الوطن طارئ, وغير مأمون, والقفز فوق القانون, بل والدوس عليه بالأحذية بلا مبالاة, ولا حتى رفة جفن, والتسلط على الناس إلى حدود الهلوسة والجنون الذي يحيل الإنسان إلى مجرد حيوان يطيع, ويهيج على أتفه الأسباب ثم تأتي فوق المستنقعات العفنة ما يخلفه التزمت, والتعصب, والفتاوى المضحكة والتي تثير الشفقة التي تنتشر كالوباء حين تزرع خلاياها السرطانية, في أجساد الشباب والشابات من مفاهيم الخرافة, والشعوذة, والتدمير الذاتي, والتحريم, وتأويل النصوص, ومحاصرة العقل, والتفتيش في النوايا, والكلمات, والثياب, والألوان, والأفكار, وكل الثقافات والفنون, الجمال, والابداع, بدلا من الاستفادة من دروس الماضي القريب, ومن تجارب الأمم الحديثة التي تحترم كرامة الإنسان, وفكره وعقله والتي ترسي دعائم دولة المؤسسات والقوانين المصانة, والمفعلة بالعلم والعقل والحرية والفكر الخلاق, والديمقراطية الحقيقية, فنسأل كما سأل استاذنا د.أحمد الخطيب الذي عايش عقوداً من النيابة عن الأمة: الكويت إلى أين? وما الحل? ومتى نخرج من هذه الحالة المزرية? فقد سرقوا المال العام, وتناهبه المتنفذون, والوصوليون, والانانيون بوسائل من خراب الضمير والمكر والنصب والاحتيال, فقد غرقت الكويت باللحم البشري غير المنتج وأصحاب العاهات ولكن من دون أن نرى أحداً يحاسب على هذه الفعلة الشنعاء, وتدنت خدمات الدولة وغرقت بوحول الفساد وصارت كأحواض الماء الراكدة التي تفقس فيها أنواع الفيروسات المميتة, أما الأفكار الجادة, والجديدة والنقية التي تريد الاصلاح فهي إما مهملة أو معزولة عن سياقها أو ممنوعة من أي صرف. فمجالس الأمة عبر العقود الثلاثة الأخيرة اضاعت الوقت, والعمل والتشريع في زبد القضايا الساذجة كالاختلاط, والضوابط الشرعية والتعسف في الاستجوابات غير المبنية على أسس من الحق, ولا الرقابة الحقيقية, بل هي ملاسنات وشعارات ادارت رؤوسنا كالصداع, وحكومات اضاعت البوصلة, أو هي غير مبالية أو انها مترددة في حيرة لا نعلم سرها الخافي تاركة عجلة الأيام والقضية واصلاح الاختلالات المتراكمة والتي ستتراكم تدور في فراغ الى فراغ تحسدها عليها لعبة »أم الحصن دارت« حتى تضاعفت الكوارث, وتفاقمت المصائب, وتعطلت التنمية, وتوقفت عجلة التطوير في التعليم, والاقتصاد والبنية التحتية, والأمن, والجريمة, والجامعة, والصحة, وتقلصت حرية الكلمة المسموعة والمكتوبة, والمرئية, وحجز الزميل محمد عبدالقادر الجاسم على ذمة قضية لا ندري كيف تنتهي حتى بلغ السيل الزبى, وتجاوزه, ولا أحد يدري متى يقف هذا التدهور ضد النفس وضد الوطن المتقهقر الى الوراء كالحجر الذي حطه السيل من عل, فأين نحن من سقراط الذي دشن فلسفته بوعي, ومعرفة لذاته قبل أن يتجرع السم ثمنا لموقفه المخالف لموقف خطأ من الحاقدين عليه, ولم يغب عن باله وقلبه اليقظ أن يوصي بالاعتذار ممن اشترى منه ديكا, ولم يدفع له ثمنه, أليس هكذا يكون الرجال, والنساء الذين يقودون أمتهم? ورغم كل هذا الظلام الي نتخبط فيه, ومن بين أمواج الضجر, والقهر, والقلق والاحباط والكبت والتعصب والالغاء والارهاب الفكري والجسدي يقف الإنسان الكويتي الحر والصادق لحب الكويت وأهلها, والمقيمين فيها, وقفة شجاعة نابعة من ضمير لم يتلوث بعد ليقول أوقفوا هذه المهزلة, والمأساة والكوميديا السوداء, واردموا الهاوية التي يكاد يسقط فيها الوطن قبل فوات الأوان, فالداء لم يعد بيته المعدة أو الاحشاء, بل أصبح بيته هو الدماغ لأن هذا الدماغ وما حشي فيه حال بينه وبين قول الحقيقة والجهر بها وخصوصا ان قول الحقيقة لا يستغرق النطق بها سوى دقيقة واحدة, ونقولها بكل كبرياء, واعتداد اننا بأعز ما نملك لسنا يائسين من واقعنا المنجمي, ولكننا يائسون ممن جربناهم وعدنا من تجربتهم حفاة بلا حتى خفين, ويائسون فقط من أبواب تكسرت كل مفاتيحنا التي جربناها في اقفالها, ويبقى الأمل رغم كثرة الاعداء والمزورين والحاقدين.
* كاتب كويتي