من وحي الناس
الحكومات المتتالية أدارت ظهرها للمشكلة المرورية وما ينتج عنها من عذابات وآلام اجتماعية ونفسية ومادية
لقد تحولت مأساة المرور في الكويت في السنوات الأخيرة الى كارثة حقيقية وفاجعة تصيب كل عائلة وفرد في هذا المجتمع, وتلقيه في جحيم الاضطراب, والقلق والسخط من هول الالام التي تخلفها حوادث المرور, وما ينتج عنها من اهدار لارواح الناس وممتلكاتهم, ومواردهم, وتدمير لامنهم, واستقرارهم, وتتركهم صرعى للتشوه والعجز , وربما الشلل التام عن مزاولة الحياة, وان زيارة واحدة لمستشفى الرازي لتكشف حجم الكارثة التي وصلنا اليها من الهول, والعذاب, والهموم والاضرار بينما الحكومات المتوالية قد ادارت ظهرها عن هذه المأساة, وكأنها لا تعنيها.
ادارت ظهرها لهذه العذابات النفسية , والاجتماعية والمادية, وسقطت في ممارسة العلاجات الترقيعية , والشكلية التي لا تمس جوهر المشكلة ولا جذورها الحقيقية, فتظل مثل طاحونة الفواجع تدور, وتطحن مكامن القوة والانتاج في المجتمع, وتهدر طاقاته البشرية, وموارده المالية, وتتفاقم مع مرور الوقت, ومع مرور الايام, والسنين لتضرب بشرورها كل بيت, وكل فرد , وتعريض الناس للمخاطر والالام بلا حساب او بلا قانون, وكأن هذا الوضع الكارثي صار من طبيعة الاشياء, وكان طبيعة المكابدة للالم , والشعور بالاحزان, تعودنا عليها وصرنا نحياها باستسلام, واقتناع بمنطق او تفسير ما او من دون منطق, ولا تفسير , وكأن ليس للتقبل, والتعود تفاسير مختلفة. لقد كتبنا مرات عدة, ونبهنا لخطورة الوضع, ومأساويته وكثير غيرنا فعلوا ذلك , ولكن الموقف الحكومي لا يقابلنا إلا باللامبالاة, وعدم الاكتراث وتبديد الوقت في الثرثرة الكلامية, او الصمت المريب او الحلول المجتزأة, والمغلقة والتي لا تتحرر من السجال العقيم الى الفعل المؤثر , والاستسلام للسائد وما يكرسه الواقع التي تحشر في شرانق , ومحارات وقيادات لا افق لديها, ولا قدرة تملكها في تحليل هذه المأساة المرورية ووضع الحلول الناجعة لها, وهي كثيرة , ومتعددة, ولكن الأسى ان من يتولى هذا الامر اشبه بسائل يهاجر داخل الاواني المستطرقة, ولا يتجدد على الاطلاق لانه محروم من الشمس والاوكسجين , ومن قدرة القرار, والطرق على الابواب الموصدة ولانه اشبه بالنحل الكسول الذي افسد السكر المطحون فطرته في الاقدام والمراهنة, وتخيل المشكلة هذا اذا علمنا ان هذه المأساة تتفاقم عاما بعد عام, وتزداد تعقيدا وخطورة, واذا ما اضفنا عاملا آخر يزيد من هذا الارباك , والتعقيد بان اكثر من مئة وخمسين الف سيارة تدخل الخدمة سنويا على طرق الكويت يقابلها ستون الف رخصة قيادة عامة, وخاصة كل عام, لندرك ان المشكلة ما عادت قابلة للتبرير او التسويف او للانصياع لمطارق المصالح النفعية فانني على يقين انه بعد خمس سنوات او اقل ستكون شوارع الكويت مكدسة بهذه المكعبات من الصفيح والتي لا تتحرك على الطريق حتى على شكل الحركة الضفدعية, هذا اذا علمنا ان العلاج كلما تأخر فان الحل سيكون اكثر تعقيدا , وصعوبة , واكثر كلفة من لو ان القرار الجريء يتخذ في اسرع وقت ممكن باتجاه الحلول العلمية الناجعة للمعضلة المرورية, وان نتائج هذه الحلول العلمية لن نراها بين نهار واخر , بل ربما لا تعطي نتائجها إلا بعد عقد من الزمان على الاقل, فهل نحن واعون لما نحن فيه واننا نغلف جروحنا لا تعقيم, وبلا تضميد, وهذا ليس تشاؤما لكن النوايا, والسجالات العقيمة ليست دائما هي الطريق النموذجي الذي يفضي الى النعيم.
لقد امتلأت رؤوسنا بالصداع, وقلوبنا اصبحت مرايا خوف, ومشاعر عصبية مكسورة تتيه بأهداب الشوارع نخاف على اولادنا وشبابنا ونسائنا , وقوانا الحية, وقد مللنا اللافتات المطرزة بالشعارات التي تسقطها رياح الواقع الفاجع والمزري بضجيج الجراح والالام, والعذابات , والذعر من وحش الطريق, فما عاد ينفع إلا الفعل المبدع الخلاق والصادق , وشرف البناء, ووضع الحلول العلمية لهذه المأساة المتدحرجة, انه الحلم المشروع لتغيير هذا ا لوحش الهاجم على ابناء الوطن والمقيمين فيه لتذهب الوحشة, ولتدخل المعرفة العلمية وفعلها صميم الواقع غير مستسلمة لسواد الغيوم العابرة, وان من لا يهتمون باقتصاديات المعرفة, والتقنية سيكتشفون انهم ضحايا لامبالاتهم, او انحراف البصر او الاصابة بالعمى.
* كاتب كويتي