ليست مقولة "رجال الدولة" مجرد تسمية تطلق على كل من يتقلد زمام أحد المناصب الرفيعة في دولة ما, إنما هي صفة يكتسبها القائد او الرئيس من خلال تجربة الحكم, وكيفية إدارة الدولة. ويبدو ان النظام الايراني يفتقد الى رجال دولة يستطيعون ادارة العلاقات مع العالم ومع الشعب بما يحفظ مصلحة بلادهم ويساعد على استقرار المنطقة من خلال الحفاظ على استقرار ايران. ولقد أثبت الرد الايراني على قرار مجلس الامن رقم 1929 ان قادة النظام خبراء في فن صناعة الطرق المسدودة مع المجتمع الدولي, فحين يقول العالم أجمع كلمته الفصل, لا يمكن ان تدير دولة ما الظهر له وتعتبر ان مكان قراراته سلة المهملات, لأنها بذلك تقفل الدائرة حول نفسها, وتفقد حقها في الاحتكام الى المؤسسات الدولية في اي قضية, وهذا ما وصلت اليه طهران حين اعتبر الرئيس محمود أحمدي نجاد ان قرار العقوبات الأخير مكانه سلة المهملات.
عندما تتخلى موسكو و بكين عن طهران فهذا يعني ان هناك قناعة عميقة بخبث النوايا الايرانية, وخصوصا ان روسيا شريكة أساسية في المشروع النووي, وهي بالتالي لم تتخل عن موقفها الممانع لمحاسبة طهران الا بعد ان اكتشفت السلوك غير السوي في ما يتعلق بالصناعة الذرية الايرانية, و هذا الموقف يمكن اعتباره فضحا غير مباشر لايران التي باتت مطالبة أكثر من اي وقت مضى بالعمل بجدية على إثبات حسن النوايا عبر الانصياع الى القرارات الدولية, وعدم دفع المنطقة الى أتون حرب جديدة قد تكون عواقبها وخيمة على الجميع وخصوصا على الشعب الايراني, ذلك ان القرار الاخير يندرج تحت الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة الذي يسمح باستخدام القوة العسكرية في حال لم تذعن الدولة المعنية لما يقرره المجتمع الدولي.
ان العالم ليس مزرعة مملوكة للعنجهية, أيا كان مصدرها او طبيعتها, وليس بامكان ايران ان تقف في وجه المجتمع الدولي لأن بعض قادتها يغرقون في وهم قدرتهم على معاندته وهزيمته, وخصوصا في هذه المرحلة التي تشهد إجماعا عالميا على محاربة كل أشكال الارهاب, و الجميع يعرف ان النظام الايراني غارق الى أذنيه في رعاية ودعم المنظمات الارهابية, وهناك الكثير من الشواهد على ذلك, ولن يسمح تاليا لنظام هذه طبيعته ان يكون بمقدوره امتلاك أسلحة دمار شامل.
اذا كنا سنعمل بالمثل القديم القائل "ان الرسائل تقرأ من عناوينها" فها هي طهران قالت كلمتها منذ اللحظة الاولى, و ضربت بالشرعية الدولية عرض الحائط, وأقفلت الابواب أمام كل المساعي التي من الممكن ان تخلص الشعب الايراني من مواجهة مريرة, ولاسيما ان هذا الشعب يعيش في أزمة اقتصادية وسياسية منذ نحو ثلاثين عاما, ولم يعد باستطاعته ان يحتمل مواجهات أكثر, ولكن يبدو ان القيادة الايرانية لا تتعلم من الدروس, لا في الداخل ولا في الخارج, وهي عندما تراهن على ان حزمة العقوبات الأخيرة ستوحد الشعب خلف النظام تثبت أنها تفتقد الى القراءة السياسية الجيدة والبعيدة المدى, او بالأحرى هي تريد ان تثبت أقدام النظام الذي بدأت الارض تهتز تحته منذ الانتخابات الرئاسية قبل سنة عبر استقدام المواجهة مع المجتمع الدولي, ولا تهتم كثيرا لأمر الشعب, وهذا يعني ان الرؤوس الحامية التي تحكم ايران تحتاج الى من يبردها, او بالأحرى تحتاج الى صدمة توقظها من أوهام العنجهية, والأيام المقبلة كفيلة بكشف المستور ووضع الأمور في نصابها.
أحمد الجارالله