من وحي الناس
التاريخ لا يمليه ولا يكتبه القتلة بل يكتبه الشاهد والشهيد وينال أبالسة الخوذ والفولاذ ورشاشات الذبح ما يستحقون
لو كان التاريخ يكتبه الأباطرة, والنازيون, والقياصرة, والدكتاتوريون والصهاينة وأكلة لحوم الأطفال والعجائز, والثكالى, والمرضى, واليتامى لما كان العالم استمر, وعاش فيه الإنسان, وحقق انجازاته العلمية والثقافية, والحضارية وأرسى القوانين التي تصون كرامة الإنسان, رغم الوحوش التي تنقض عليه من وقت لآخر, وتثير الحروب, والتشريد, والحرمان, والخراب والقتل, وسفك الدماء بذنب وبغير ذنب, الا انها تراكم حريتها وتكون احياناً اصلب من الجبال, والفولاذ حتى اعمدة الرخام قد يقضمها الزمن, لكن الشمس لا تتوقف عن الشروق فوق الأطلال فمرور عقد او قرن او حتى ألفية على مجزرة كبرى كالتي اوقعها الصهاينة المحتلون لارض فلسطين بضفتيها الشرقية والغربية, والتنكيل بأهلها تتجاوز الشموع والدموع لتفتح التاريخ على مصراعيه بحيث يبقى خيط الدم من الحزن الى التحفز الانساني النبيل وما يقدمه الشعب الفلسطيني من براهين على استحقاقه للحياة, وعبور الجدران والخرائب وحصار غزة على مدى أكثر من ثلاثة أعوام يبتكر, ويبدع, ويخلق ألوانا من حب البقاء فيستعيض عن بيت الاسمنت ببيت يصنعه من اكياس الرمل, فغزة هي حفيدة مدن وبلدان نزفت من الدم ما يكفي لأن تطفو وتنجو من الغرق, فالحرب التي تدور الان بين سفن عزلاء إلا من ضمائر عزلاء تنقلهم من معظم جنسيات كوكبنا الارضي هي من طراز فريد, فهي تتاخم الأسطورة من حيث الدلالات الرمزية حيث تتصدى اسراب عصافير وحمام سلام لطائرات مقاتلة يشهر فيها الرجال والشيوخ والنساء السنابل الذهبية مقابل سفن مدججة بأعتى الاسلحة, وافتكها لحصاد أعناقهم فالمشهد الذي يقدمه البحر الابيض المتوسط يندر ان يتكرر فهي حرب لا تكافؤ فيها لو كان معيار الرصد هو السلاح, ولعاد اسطول الحرية الى حيث جاء هي حرب طرفاها ثور هائج وضرير مقابل طائر سنونو يبشر بالربيع في زمن تحولت فصوله كلها الى خريف وفي هذه المعادلة الرمزية يقف الحق مقابل الباطل, ويواصل العصفور غناءه أمام الثعبان لان الحياة يجب ان تستمر بهذا الجدل الخالد بين القوي الاحمق, والضعيف الذكي صاحب الحق والذي يبادر الى اعمال انسانية ذات مغزى تاريخي لا يبالي بالنتائج القريبة والسهلة لانه من سلالة تراجيدية يتشكل منها النصف الثالث غير المشهود للتاريخ أنه النصف الفائض الذي يكون فيه المنتصر مهزوما, والمهزوم منتصرا بحيث تسقط النقطة بين الفار, والعار, وهو الدليل الساطع, والمضاء بكل سخاء الشمس. نقولها مرة اخرى ان التاريخ لا يمليه ولا يكتبه القتلة بل يكتبه الشاهد والشهيد, وينال أبالسة الخوذ والفولاذ, ورشاشات الذبح وادوات القتل ما يستحقونه من الرجم والطرد من بساتين زهور الياسمين والدفلى, والاقحوان. انقلبت الصورة تماما بعد اسطول الحرية فقد كانت الصورة كما كان يرسمها الصهاينة قلة يهودية في اسرائيل هي ضحية لكثرة عربية بربرية, وعدوانية ووحشية فغيرتها دماء الشهداء في اسطول الحرية في البحر المتوسط الذي ضمخت الدماء زرقته ولم يسل لعاب دم القرش بقدر ما اسال لعاب الجنرالات ممن كانت سيرتهم ولا تزال وقفا على القتل والانتهاك حين اصدروا الاوامر بقتل الابرياء والناشطين العزل وهم ذاتهم الجنرالات الذين قتلوا من قبل اطفالا, وشبابا ومثقفين من شارع فردان ببيروت حتى الشاطئ التونسي شرق البحر المتوسط.
فلا جديد في هذا المشهد غير تلفيق الروايات بحيث تصبح الضحية هي الطرف الذي يدان ويتحول القاتل الى بريء ولكن هذه المرة بعد ان ارتكبت الصهيونية حماقتها وجنونها على اسطول الحرية, وعلى من فيه بكل هذا الصلف والوحشية والعبث الدموي تصدى لهم بلد قوي بايمانه, وبشعبه, وبصلابة موقفه وعدالة قضيته ونقائها وسموها في اعسر اختبار يقف في وجه الخنوع الوبائي, ويلقنون القراصنة اسلوبا جديدا في التفكير ونمطاً جديدا في المواجهة ولا تغير مشهودا في المزاج العالمي "وانا اكتب هذه السطور مازالت سفينة "راشيل خوري" تبحر باتجاه غزة لكسر الحصار عليها وكندا تحذر الصهاينة من ارتكاب حماقة القوة التي تعاملت فيها مع اسطول الحرية, فالتغير في المزاج العالمي ازاء ما تقترفه الصهيونية من جرائم في فلسطين قد عبر عنه الالاف من الفرنسيين وأضعاف هذا العدد في انقرة واسطنبول ولندن ونيويورك واوسلو وبرلين فكل الغرابيل التي كانت تحجب شعاع الشمس احترقت وهي ابلغ من اي جلاد يرصع خطابه بكلمات ملفقة حتى اصبحت عنده كلها تعني نقيضها, فالعدل جور والدفاع عدوان وارهاب, انها البداية لبقعة الدم التي سالت في البحر المتوسط ولا سبيل للحياد او التمييع او الفرار.
* كاتب كويتي