وقفة تأمل
لايمكن للنظام العالمي اليوم أن يتراجع عن الاعتراف بحرية الرأي والمعتقد لأنها باتت حاضرة في الضمير العالمي
لا يمكن تحقيق الديمقراطية أو أي تنمية سياسية من دون وجود حد أدنى من الاستقرار الاجتماعي الذي غالبا ما ينعكس في صور وأحداث سياسية, وهو ما يعني أنه لا يمكن اقتصار الاهتمام بالدولة وممارساتها لرصد مستقبل التنمية السياسية, فالمجتمع شريك أساسي ولابد من الاهتمام بممارساته الاجتماعية والسياسية كوسيلة لاستشراف المستقبل السياسي للدولة والمجتمع, وهذا ما يدفعنا للحديث حول ضرورة وجود مؤشرات استطلاعية لرصد وتقييم السلم والاستقرار الاجتماعيين.
على سبيل المثال , أدى هذا الاقتصار على الدولة والتغافل عن المجتمع السياسي في الرصد والتقييم والنقد إلى وقوع التاريخ السياسي العربي في الكثير من تجارب الاستبداد السياسي وانفراد الحزب الواحد وغير ذلك من أشكال التطبع في النظام العربي, حيث قادت أحزاب وحركات لا ديمقراطية معارضات سياسية ضد أنظمتها باسم الديمقراطية واعتلت عرش السلطة لتبدأ تجربة جديدة في الاستبداد, فلم يراقب المجتمع استبدادية تلك الأحزاب كما راقبها في الدولة, فالاحزاب التي تفتقد الديمقراطية الحزبية لن تكون قادرة على ممارستها عند اعتلاء السلطة أو المشاركة فيها.
أما اليوم فالأمر بات ملحا لرصد ومراقبة المجتمع لنفسه, حيث لم تعد تقتصر منابع الفتن والتطرف في مجتمعات مصدرة وأخرى مستقبلة, فجميعها بدا اليوم مكتفيا في منابعه المتشددة والمتطرفة, لذلك بات واجبا على المهتمين أن يضعوا مؤشرات لقياس واستشراف السلم الاجتماعي والأهلي, كما هي المؤشرات السياسية والاجتماعية الأخرى.
فالمؤشرات أداة لقياس وضعية الحالة ويمكن من خلالها استشراف مستقبل هذه الحالة, فمؤشرات التنمية السياسية على سبيل المثال تركز على جملة من المسائل التي يعتقد أنها دليل على تقدم أو تأخر الديمقراطية والإصلاح السياسي في الدول, كمؤشر حقوق الإنسان بما فيه من حق التعبد والحق المدني والغذائي وغير ذلك, ومؤشر الحريات المدنية والسياسية ومؤشر العدالة الاجتماعية والكثير من المؤشرات الموضوعة من قبل منظمات دولية وإقليمية والتي تعدل وتنقح باستمرار.
هذه المؤشرات تساهم في رصد ديمقراطيات الدول وقياسها ومن خلالها يتم الحكم على المستقبل السياسي للدولة كما حدث عندما أطلق هنغتون على تحولات تسعينات القرن الماضي في بعض الدول العربية مصطلح "الموجة الديمقراطية الثالثة", ومن نافلة القول أن مثل هذه المؤشرات إنما برزت وتبلورت بعد الحرب الباردة أي مع بزوغ النظام العالمي الجديد, حيث عولمة الكثير من المفاهيم الخاصة بالفرد كحقوق الانسان الاجتماعية والسياسية وبالتالي الديمقراطية أيضا, فأصبحت هذه المؤشرات تشكل أرقا سياسيا للدول غير الديمقراطية لما يستتبعها من ضغوط دولية وأزمات في العلاقات الدولية.
لكن ما جدوى صناعة مؤشرات خاصة بالسلم الاجتماعي?, فمؤشرات التنمية والديمقراطية والاصلاح يستفاد منها لممارسة الضغوط الدولية أو على الأقل احراجات في العلاقات الدولية والاقتصادية, في حين أن أي مؤشرات للتنمية لن تتعدى استطلاعا وقياسا خاصا للمجتمع المعني وبعض المنظمات غير الحكومية على أفضل تقدير?.
للجواب على ذلك يمكن القول إن هذا الحد المذكور مهم بحد ذاته, لكن الأمر يتعدى هذا ليشمل زوايا أخرى, فمفاهيم كحقوق المرأة السياسية أو بعض الحقوق الانسانية التي هي اليوم مؤشرات دولية لم تكن حتى وقت قريب حاضرة في الوعي المجتمعي لدى مجتمعات عربية عدة, أما اليوم فلا يمكن أن ينكر أحد حق حرية المعتقد أو حرية الرأي على سبيل المثال , فأهميتها لم تعد فقط بالضغط الدولي على دولة معينة وإنما على عولمة المفهوم والمصطلح.
بعبارة أخرى, لا يمكن للنظام العالمي اليوم أن يتراجع عن الاعتراف بحرية الرأي والمعتقد (مع إمكانية الالتفاف والتحايل) وذلك لأنها باتت حاضرة في الضمير العالمي وهذا هو الضغط الحقيقي, فإن قوة حضور حرية الرأي والمعتقد في الوجدان المجتمعي والعالمي هو الذي أعطى هذه القوة والقدرة على إركاع الدول أمامه.
كذلك الأمر مع مؤشرات السلم الاجتماعي, فإن حضورها ووضوحها في الوعي والوجدان الاجتماعيين يؤهلهما لصناعة قوة وقدرة لتلك المؤشرات وتدفعها للخروج من دوامة تعاريف الوسطية والاعتدال والتسامح ومن كذب وتحايل من يدعي التعايش والعدالة والمساواة.
ولا ننسى أن مؤشرات السلم الاجتماعي لا يقتصر على أطراف المجتمع وعلاقته بنفسه وإنما أيضا بعلاقة الدولة بالمجتمع ودورها في السلم الاجتماعي, فهل الدولة من ناحية التشريع والممارسة هي شريك في إرساء السلام الأهلي والاجتماعي أم أنها أحد الأطراف المستفيدة من التأجيج والاحتراب والتقاتل, يمكن أن يقال أن بيان ذلك صعب ومستحيل, لكن لا ننسى أن هذا ما كان ولا يزال يقال عن استحالة بيان دور الانظمة في المال السياسي والتعذيب وسرقة المال العام.
كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com