آلة الحرب الايرانية دمرت العراق طيلة ستة أعوام وعلى طهران تحمل نصيبها من التعويضات
مرة أخرى يعاد ملف تعويضات الحرب العراقية الإيرانية الشرسة الطويلة 1980- 1988 للواجهة الإعلامية وهي التي كانت أطول حرب إقليمية في تاريخ العالم المعاصر كما كانت خسائرها البشرية و المادية رهيبة للغاية أدت لتحطيم الركائز الأساسية لاقتصاديات العراق و إيران ودول المنطقة و تسببت بحالة فظيعة من التكسيح السياسي و العسكري انعكست آثاره السلبية من خلال تمدد القوة العسكرية الإسرائيلية التي استطاعت تحت جناح وظلال تلك الحرب المنسية من تحقيق العديد من المتطلبات الستراتيجية الإسرائيلية و منها طرد منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بعد إحتلالها في صيف عام 1982 وفي الوقت نفسه الذي شهدت فيه جبهات الحرب العراقية- الإيرانية تصعيدا خطيرا تمثل في نقل العمليات العسكرية الإيرانية للعمق العراقي بعد انسحاب القوات العراقية من المدن الإيرانية بعد الهزيمة العسكرية العراقية في المحمرة في ربيع عام 1982 ولجوء النظام العراقي وقتها لعرض إيقاف العمليات العسكرية و اللجوء للمفاوضات ولقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة وهو الأمر الذي رفضه النظام الإيراني الذي أصر على مواصلة الحرب حتى تحقيق الشروط الإيرانية التي كانت تتمحور حول اعتراف النظام العراقي بمسؤوليته عن بدء الحرب و دفعه للتعويضات الحربية وشرط ثالث تعجيزي في موازين العلاقات الدولية وهو تغيير النظام العراقي و إقامة البديل الإسلامي وفقا للرؤية و النموذج الإيراني!! وهو شرط يعلم الإيرانيون جيدا بأنه لا يمكن أن يتحقق أبدا! لكون الإصرار على استمرار الحرب كان يمثل مكسبا ستراتيجيا للنظام الإيراني لأنه سيضمن حشد الجبهة الداخلية و توحيدها وضمان استمرارية تعبئة المستضعفين إضافة إلى كون استمرار الحرب يشكل فرصة تاريخية و لوجستية مهمة للغاية للنظام الإيراني للتخلص من كل أطراف المعارضة الوطنية و الديمقراطية الإيرانية التي دخلت في حرب شوارع مع النظام وحيث تم التخلص من قيادات المعارضة سواء في الجبهة الوطنية القديمة أم من جماعة "مجاهدي خلق" التي لجأ قادتها و معهم الرئيس الأول للجمهورية الإيرانية الدكتور أبو الحسن بني صدر للخارج منذ عام 1981 وهو العام الذي شهد أحداثا داخلية إيرانية جساما تمثلت في مصرع واغتيال كبار قادة الحزب "الجمهوري الإسلامي" وفي طليعتهم آية الله بهشتي في انفجار رهيب في مقر الحزب , ثم اغتيال كل من رئيس الجمهورية الثاني محمد علي رجائي و رئيس الوزراء محمد جواد باهنر في أغسطس 1981 أعقب ذلك مصرع جميع قادة الجيش الإيراني من وزير الدفاع لقائد الطيران لضباط آخرين في سقوط طائرتهم العسكرية في مدينة عبادان في سبتمبر من ذلك العام, إضافة إلى لسلسلة من عمليات الاغتيال ضد رجال دين إيرانيين مرتبطين بالنظام , لقد كانت تدور رحى حرب داخلية طاحنة لم يكن يخفف من وطأتها سوى حشد الرأي العام المحلي ضد عدو خارجي و إشغال الجيش الإيراني في حرب حدودية بعيدة من مشكلات الداخل إضافة إلى بناء مؤسسة عسكرية رديفة و بديلة يكون ولاؤها للنظام فقط لا غير وكانت مؤسسة الحرس الثوري التي كانت جبهات الحرب الشرسة ضد العراق ميدانها التأسيسي و التدريبي الأمثل! , ومن هنا كانت المقولة السابقة للإمام الراحل الخميني و التي كانت "الخير فيما وقع"! حينما تم إبلاغه بأن النظام العراقي قد بدأ الحرب ضد إيران في 22 سبتمبر 1980 تكتسب بعدها الستراتيجي! , وأخيراً أعلن أحد أعضاء مجلس الشورى الإيراني ( البرلمان ) عن دعوته للحكومة الإيرانية لتفعيل ملف المطالبة بطلب تعويضات الحرب من العراق و التي قدرها المشار إليه بنحو ألف مليار دولار اميركي! وهو مبلغ رهيب و خرافي لا يمكن تصوره بسهولة و لا حتى استيعاب واقعيته , نعم صحيح أن نظام صدام حسين كان قد بدأ الحرب بعد اشهر طويلة من التوتر السياسي و العسكري و بعد قيام النظام الإيراني بتفعيل و تنشيط خلاياه السرية و العقائدية المرتبطة به كأحزاب "الدعوة الإسلامية" و "العمل الإسلامي" و غيرها ووقوف الإعلام الإيراني وقتذاك بشكل محرض ضد نظام الحكم في العراق الذي وقع يومها تحت هيمنة شخص واحد هو صدام حسين الذي نكل بالقيادة البعثية و اعدم عددا من قياداتها و أبعد الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر في إنقلاب قصر دموي مشهود في السادس عشر من يوليو 1979 و شرع وقتها في بناء نظام فاشي تجاوزه الزمن يتمحور حول القائد الواحد الأحد و ارتبط بمشاريع دولية و إقليمية كانت معدة و جاهزة للتنفيذ منذ سنوات سابقة ودخل نظام صدام في مباحثات سرية مع الجانب الأميركي في العاصمة الأسبانية مدريد في يوليو 1980 لاكتشاف سبل التعاون و التنسيق المشترك مع الولايات المتحدة التي لم تكن لها حينذاك علاقات ديبلوماسية و لا سفارة في العراق ! في تلك المباحثات السرية التي رأس الجانب العراقي فيها مدير الأمن العام الأسبق الدكتور فاضل البراك ( أعدم فيما بعد بتهمة العمالة لمخابرات ألمانيا الشرقية ( ستازي ) ) والجانب الأميركي عضو الكونغرس الأميركي وقتها رئيس لجنة التسلح فيه دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الذي إسقط النظام العراقي فيما بعد! تم الإتفاق على الخطوات و اللمسات النهائية للحرب مع إيران كما تم الإتفاق على جملة من التوافقات المؤجلة و التي لم تحسم وقتذاك و كان من بينها و أخطرها "ملف الكويت" وهو الأمر الذي أشرنا إليه في مقالات سابقة نشرناها في العام الماضي على حلقات لملفات سرية لم يكشف عنها النقاب! , المهم إن النظام الإيراني وقتذاك كان قد وفر الأرضية المناسبة و الممهدة للحرب مع العراق وهي حرب كان يندفع إليها الجميع وكل حسب أهدافه و تصوراته و أجندته , فنظام صدام و تحت تأثير أوهام القوة الزائدة وضعف التقويم الحقيقي لعناصر القوة الإيرانية تصور بأن الحرب ستكون نزهة و لن تختلف عن الحرب الإسرائيلية في حرب الأيام الستة في 5 يونيو عام 1967 حينما شل السلاح الجوي الإسرائيلي قدرات القوة الجوية المصرية و السورية بضربته المفاجئة التي كسحت بالكامل نظام القيادة و السيطرة وحسمت المعركة منذ ساعاتها الأولى و أدت إلى احتلال سيناء و الجولان و القدس الشرقية و كل فلسطين التاريخية , أما الحرب ضد دولة واسعة كإيران فهي مغامرة لجيش عراقي يعتمد على مؤونة بشرية لشعب صغير محدود الموارد , كان نظام صدام بتوجيهاته الستراتيجية يتصور بأنه سيتخلص من عار توقيع إتفاق الجزائر الحدودي لعام 1975 الذي تخلى العراق بموجبه عن حقه في السيادة على نصف شط العرب بسبب تداخلات المعركة مع الأكراد وقتذاك ? ولكن رؤيته الستراتيجية كانت قاصرة بالكامل و لم يحسب للموقف حساباته البعيدة كما أن إتخاذ القرار من قبل فرد واحد مهما كانت قدراته هو أمر كارثي ? المهم إن ماحصل قد حصل و دخل العراق المعركة مع إيران التي كانت بحاجة ستراتيجية ماسة و ملحة لتلك الحرب التي عززت من صمود النظام و أظهرت المعارضين الإيرانيين الوطنيين بصفة الخونة و أعداء الشعب بعد استثارة المشاعر القومية الإيرانية بعد تغليفها بغلاف مستوحى من المأساة الكربلائية ! و تميز العامان الأولان من الحرب بمعارك تعرضية بلغت الذروة إعتبارا من أواخر عام 1981 بعد فك حصار عبادان في خريف ذلك العام ثم توجه الستراتيجية العسكرية الإيرانية إلى حرب استنزاف شرسة تمثلت في تقطيع أوصال الجيش العراقي الموجود في بعض مناطق عربستان بهجمات إنتحارية عبر أسلوب الموجات البشرية بلغت الذروة مع عمليات "الفتح المبين" في مارس 1982 وحيث تم بداية الانهيار العسكري العراقي في العمق العراقي و تم أسر عشرات الالاف من العراقيين ومقتل الآلاف أتبعها عمليات "القدس" التي استعادت المحمرة ووصلت القوات الإيرانية إلى الحدود الدولية فيما استكمل العراق إنسحابه الكامل من العمق الإيراني مجددا عرضه لوقف الحرب و اللجوء للتفاوض وهو ما رفضه الجانب الإيراني الذي أصر على مواصلة الحرب "المقدسة" حتى إسقاط النظام العراقي و إقامة البديل الإسلامي الجاهز! وهو مطلب مستحيل التحقيق , ففي النهاية هناك موازين و أطر في العلاقات الدولية لا يمكن التحلل من إلتزاماتها , لقد تورط النظام العراقي فعلا وتاريخيا في البدء بالحرب رغم أنه ما فتئ يعلن بأن الحرب كانت وقائية بسبب التدخل الإيراني الواسع المدى في شؤون العراق الداخلية , ولكن استمرار الحرب و إطالتها لستة أعوام أخرى و تسببها بخسائر بشرية ومادية مروعة في العمق العراقي إعتبارا من يوم 14 يوليو عام 1982 حينما شن الإيرانيون سلسلة عمليات كربلاء في شرق البصرة بهدف إحتلال مدينة البصرة الجنوبية واعتبارها نقطة التحرير بعد إقامة حكومة عراقية دينية عميلة للإيرانيين ثم نقل الحرب لشمال العراق عبر السيطرة على مندلي و خانقين و جبل كردمند و تحويلها إلى وسط العراق في حدود مدينة الكوت إضافة الى التغيير التعبوي الكبير في إحتلال إيران لميناء الفاو الستراتيجي و الإطلالة المباشرة على مياه الخليج العربي في فبراير عام 1986 كانت جميعها لحظات تحول و إصرار إيرانية تاريخية على المضي بالحرب حتى النهاية ورفض جميع الوساطات الدولية وقرارات الأمم المتحدة و من بينها القرار 598 إلى أن أجبرت المتغيرات الدولية و الهجمات العراقية المضادة بعد إعادة تحرير الفاو في ربيع 1988 و التهديد الحقيقي بضرب العمق الإيراني و الحواضر البشرية المهمة في إيران بالسلاح الكيمياوي على اعتراف النظام الإيراني بعبثية الاستمرار في الحرب و بتجرع كأس السم و بقبول تطبيق قرار وقف إطلاق النار سالف الذكر في أغسطس عام 1988 أي بعد ستة أعوام كاملة على نقل الحرب للعمق العراقي من دون تحقيق نتائج سوى المزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية المهولة التي لم يكن لها أي داع , فالأهداف الإيرانية الستراتيجية من إطالة أمد الحرب لم تتحقق لذلك كان الأمر بمثابة هزيمة حقيقية رغم أن الهزيمة قد أحاقت بجميع الأطراف , فتلك الحرب كانت خاطئة منذ البداية و عليه فإن مطالبة العراق بدفع التعويضات لا ينبغي أن تشمل فترة السنوات الست المضافة التي رفض الإيرانيون خلالها وقف الحرب , بل تشمل العامين الأولين حتى يوم الانسحاب الايراني من العمق العراقي بعد ذلك على الإيرانيين تحمل نفقات و تعويضات الأضرار العظيمة و الرهيبة التي لحقت بشباب العراق المدفوع دفعا نحو الحرب و للمدن العراقية التي خربتها مدافع وصواريخ آيات الله كالبصرة و ميسان وواسط و مدن شمال العراق , وعلى الحكومة العراقية أن تدير ملف المفاوضات مع الإيرانيين بأسلوب واقعي و مسؤول بعيدا من العاطفة و مشاعر الولاء أو التخادم لكون العراق متورط بشبكة رهيبة من التعويضات مع الكويت بسبب الغزو العسكري المباشر و الذي فرض عليه إلتزامات تعويضات مالية ضخمة للكويت يمكن مناقشتها و حلها ضمن إطار حكومتي البلدين بشفافية و مسؤولية و بمصلحة قومية مشتركة أما تعويضات إيران فالوضع مختلف بالمرة لأن آلة الحرب الإيرانية قد دمرت العراق طيلة ستة أعوام دموية كاملة وعلى الإيرانيين تحمل نصيبهم من التعويضات بعد حسم تلك المترتب على العراقيين دفعها ? إنه ملف واضح لا يحتاج إلى عبقرية قانونية في الاجتهاد و الاستنباط و بعكس ذلك فإن الأمر برمته ليس سوى مهزلة كبرى صيغت مفرداتها بدماء الشعب العراقي البريء من جرائم و موبقات نظام صدام حسين و الذي يتعرض اليوم لحرب إبادة حقيقية ليست إيران ببعيدة من خلفياتها المرئية.
كاتب عراقي
dawoodalbasri@hotmail.com