أرجوك لا تقاطعني, عبارة جديدة دخلت قاموسنا بفضل الحوارات التلفزيونية, يأتي المذيع بضيوفه لمناقشة قضية ما, وبمجرد ان يطرح المحور الاول من القضية حتى يتحول الضيوف الى مجاهدين في ساحات القتال, لا يأتي الضيف مزودا بفكرة معينة, وانما يأتي حاملا سيفه ليشهره في وجه الضيوف الآخرين, وهو يردد إني أرى رؤوسا أينعت وحان قطافها!
كثير من الضيوف العرب الذين يستضيفهم التلفزيون, يظهرون على الشاشة مسلحين بالسيوف والخناجر, فهم يعتقدون ان صحة وجهة نظرهم لا تتحقق الا اذا صرع الضيف الذي أمامه!
بمجرد ان يبدأ الحوار في قضية معينة, يبدأ الصراخ, وكل واحد يريد ان يؤكد وجهة نظره بأنها الصحيحة, والاخرى هي الخطأ!
ثم تبدأ عبارة "ارجوك لا تقاطعني" لتكون هي سيدة الحوار, كل ضيف يهدد الآخر بأن لا تقاطعني, فتتشابك الكلمات ويتحول الحوار الى صراخ الطرشان, والمشاهد لا حول له ولا قوة, في حالة يرثى لها, فهو لا يسمع من كل الحوار الا عبارة: لا تقاطعني!
والواقع ان هذه العبارة هي نتاج ثقافة تميزنا عن غيرنا من المثقفين في العالم, فالمتحدث في التلفزيون يرى أنه اذا تحدث وأفصح عن وجهة نظر معينة لا يقبل من الآخر ان يختلف معه او يشاركه الحديث, وهي ثقافة عدم قبول الآخر, ولم نعتد بعد ان نقول رأينا وننصت في الوقت ذاته الى رأي الآخرين. ان كثيرا من المثقفين العرب يرون ان وجهات نظرهم هي الصحيحة, ولهذا لا يقبلون او يتنازلون لسماع وجهات نظر اخرى تتعارض تماما مع تفكيرهم!
ثم ان المتحدث في التلفزيون او في الندوات, لم يعرف بعد طبيعة واصول الحوار, لا يعرف ان ذلك فن وابداع, ولهذا يفشل في الدخول الى صلب الموضوع المطروح للنقاش, فكثير من الاسئلة التي تطرح في الحوار لا يجيب عنها المتحدث مباشرة, بسبب أنه مبرمج نفسه على معلومات سابقة, يكون قد قرأها في بعض الكتب, ولا يستطيع ان يتصرف فيبعد عن صلب السؤال, ولهذا تجد الكثير من البرامج الحوارية يطول الى اكثر من ساعة وينتهي دون ان يستفيد منها المتلقي!
في حين نشاهد على تلفزيونات الغرب, حوارات مفيدة, المذيع هناك يسأل سؤالا محددا, فتجد الضيف جاهزاً لوضع النقاط على الحروف, ويترك المجال للضيف الآخر أن يبدي وجهة نظره, دون ان تسمع من ضيوفهم عبارة: أرجوك لا تقاطعني!
معظم البرامج الحوارية التي ظهرت في الآونة الاخيرة لم تصل بعد الى مستوى الحوار الجيد والمفيد, وللأسف فإن الذين يقدمون مثل تلك البرامج لا تهمهم الجودة او الفائدة, قدر اهتمامهم بالظهور, واستفزاز الضيوف حتى يتحول المشهد من حوار ثقافي سياسي مفيد, الى مشهد من مشاهد مصارعة الديكة!
.. وأشكر كل من قرأ مقالتي هذه, لأنه لم يقاطعني!