ما كاد وزير خارجية دولة الامارات الشيخ عبدالله بن زايد ينهي تصريحه الذي شبه فيه احتلال ايران للجزر الاماراتية بالاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية, حتى انطلقت أبواق ايران واصفة ذلك التصريح بعدم الاتزان وكاشفة النوايا العدوانية ضد الخليج العربي وشعوبه, وكانت المناورات الاخيرة خير دليل على الاستفزاز الايراني المتعمد لدول الخليج العربية, وما رافقها من تصريحات لقادة الحرس الثوري التي تثبت زيف الادعاءات الديبلوماسية في ما يتعلق بالحديث عن حسن الجوار, وآخرها تصريح قائد القوات البرية في ذلك الحرس عن ان "المناورات تتضمن تدريبات للدفاع عن الجزر الايرانية في الخليج"!
كيف تبرر طهران ايرانية الجزر الاماراتية والعالم كله يعرف أنها تحتل تلك الجزر, فالاحتلال ليس له الا تفسير واحد,وفي هذا تكون تل أبيب وطهران وجهان لعملة واحدة لانهما تتميزان في اغتصاب الارض والحقوق التاريخية المشروعة للشعوب, وربما يكون احتلال ايران لأرض عربية أكثر إيلاما من الاحتلال الاسرائيلي, لأن الاخير اتفق على عدوانيته العرب والمسلمون, وأدين هذا الاحتلال في كل المحافل الدولية والانسانية, إنما ايران التي تدعي ان نظامها اسلامي فمن الاجدر بها ان تعبر عن ذلك بالممارسة وليس بالشعارات, فالدين الحنيف يقوم على رفع الظلم عن الناس, وإعطاء كل ذي حق حقه قبل اي شيء آخر, وهذا ما لم تفعله الثورة الايرانية التي قامت ضد الشاه باعتبار أنه كان يقود نظاما ظالما, ويعتدي على حقوق الاخرين ويغتصبها, إلا ان أحداث العقود الثلاثة الماضية كانت دائما تنفي اسلامية هذا النظام, وتزيد من الاقتناع بأن التغيير كان في الشكل وليس بالمضمون, كما تزيد من الريبة في النوايا العدوانية لهذا النظام, وخصوصا في ما يتعلق بافتعاله القلاقل ومحاولته الدؤوبة زعزعة أمن المنطقة. وفي الرد الايراني على تصريحات الشيخ عبدالله بن زايد نجد مدى العجز عن تبرير جريمة الاحتلال, ومن البديهي ان الرد المبني على الحجج الواهية والنعت بصفات سيئة يكون اعترافا غير مباشر بالذنب, وهذا ما دأبت عليه ايران منذ عقود عدة في ما يتعلق بالجزر الاماراتية, وهي لم تقدم في اي لحظة من اللحظات اي برهان على ايرانية هذه الجزر بينما العالم أجمع يتذكر ما جرى في مطلع السبعينات من القرن الماضي حيال جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى واستكمال احتلال الاخيرة في أوائل تسعينات القرن الماضي.
ان الحق الاماراتي في الجزر الثلاث لا يمكن لأحد, مهما كان أعمى البصيرة ومنحازا لنظام الملالي ان يجادل فيه لأن لا جدال في نور الشمس الساطعة. والتعنت الايراني في إنكار هذا الحق يؤكد كل المخاوف في شأن المخطط الامبراطوري الصفوي الذي تسعى طهران الى تحقيقه, وهذا يعني أيضا ان تغير الانظمة فيها لا يغير من المخططات والاطماع التاريخية في المنطقة والهيمنة على مقدراتها, وهنا تنكشف حقيقة المناورات التي تنظمها القوات المسلحة الايرانية بين فترة وأخرى في الخليج العربي, وهي ليست كما يزعم قادتها أنها موجهة الى القوات غير العربية اوغير المسلمة, انما هي تهديد يومي تمارسه دائما ايران ضد جيرانها العرب والمسلمين, وما مناورتها الاخيرة والزوارق السريعة المسماة "يا مهدي" التي أعلنت عنها أخيرا, وقال قادة الحرس الثوري أنها باتت تشرف على كل الخليج العربي الا الدليل على العدوانية الايرانية تجاه دول المنطقة.
من ينظر الى ما يجري في كواليس السياسة الدولية يفهم أيضا أهداف مسرحية العداء للولايات المتحدة واسرائيل الذي ترفعه طهران شعارا لها, بينما هي في الواقع تحاول ان تفتح قنوات مع هاتين الدولتين, وبين الفينة والاخرى تقدم التنازل تلو الآخر من اجل ان تصبح وجها مقبولا في البيت الابيض او تل أبيب, وان يعود نظام الملالي الى ممارسة دور الشاه كشرطي للمنطقة, و كل هذا يؤكد ان صانع القرار الايراني لم يتعلم من دروس الماضي, وربما لن يتعلم منها أبدا اذا بقي أسير الوهم الامبراطوري الذي تجاوزه الزمن, لأن عصر الامبراطوريات التوسعية القائمة على العدوان انتهى الى غير رجعة.
لن نستغرب أبدا في اي لحظة نسمع فيها عن تحالف او علاقات ك¯"السمن والعسل" بين طهران وتل أبيب, وخصوصا بعد ان تكون ايران قد دمرت كل شيء في المنطقة بممارساتها العدوانية والتخريبية, فهي عند ذاك تكون قد أكملت الجزء الآخر من المشروع الذي تنفذ اسرائيل جزءا منه أيضا.
أحمد الجارالله