ما بين الداعية السعودي الشيخ محمد العريفي والزميل أحمد الجار الله رئيس التحرير أربعون عاماً, وقليل من الناس يتذكرون ما حدث للجارالله عندما أعلن عن رغبته في زيارة الاراضي المحتلة لاجراء بعض التحقيقات الصحافية من داخل اسرائيل بصحبة مصور الجريدة!
.. كان ذلك في عام ,1970 عندما شارك الجار الله في ندوة اعلامية مع عدد من الصحافيين والسياسيين في بيت مري في فندق البستان في لبنان, وكان موضوع الندوة حول قضية الشعب الفلسطيني والصراع العربي - الاسرائيلي. وعندما جاء دور الجار الله في الحديث فجر قنبلة من النوع الثقيل, جاءت بشكل عبارات واضحة, عبر من خلالها عن نيته او رغبته لاجراء لقاءات وتحقيقات صحافية مصورة من داخل الاراضي المحتلة, وتسمر جميع المحاضرين في مقاعدهم وظهرت الدهشة والاستغراب على وجوه الجميع, لأن أحداً, أكان صحافيا أم سياسياً لا يملك الجرأة لان يقول مثل هذا الكلام... بعضهم, وهم قليل جدا, اعتبروا كلامه مجرد وجهة نظر قابلة للطرح والمناقشة, أما الغالبية فاعتبروا هذه الخطوة في اتجاه التطبيع والاعتراف بالكيان الصهيوني .
.. الداعية السعودي العريفي, أعلن من الأردن قبل أيام, انه بصدد تصوير حلقة من برنامجه التلفزيوني في القدس المحتلة , وسارعت اسرائيل مرحبة بهذا الطلب, وطلبت منه ان يتوجه الى سفارتها في عمان لاستخراج تأشيرة دخول!
.. رغبة العريفي بالسفر إلى الاراضي المحتلة جاءت متأخرة كثيراً عن رغبة الجار الله.. فهي أتت بعد تطورات كثيرة حدثت في العلاقات العربية الاسرائيلية, وجاءت بعد ان اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية باقامة دولتهم الى جانب الدولة العبرية, وجاءت بعد زيارة السادات الى الكنيست, وأقيمت العلاقات الديبلوماسية بين اسرائيل وعدد من الدول العربية!
... ولكن رغبة الجار الله أو بعبارة ادق , قنبلته التي فجرها في بيت مري بلبنان, أتت في وقت حرج وحساس, حيث كان المد القومي العربي من القاهرة الى اغادير في المغرب يطالب بدفن اسرائيل في البحر, وان الحديث, مجرد الحديث, مع أي اسرائيلي هو قمة الخيانة العربية, فما بالكم بصحافي عربي من الخليج يقترح ان يذهب لملاقاة المسؤولين الاسرائيليين داخل الأراضي المحتلة!
.. الضجة التي أعقبت تصريحات الجار الله كانت عنيفة , وكادت ان تقوده الى السجن, فلقد ألقي القبض عليه من على سلم الطائرة في مطار الكويت, واقتيد فورا الى مخفر شرق تحت هجوم عنيف من أعضاء مجلس الأمة الذي وصل بأحدهم ان يطالب حكومة الكويت بشنقه في ساحة الصفاة!
.. أما الضجة التي أعقبت تصريحات الداعية العريفي , فهي ضجة اعلامية باهتة وأقل من عادية , لم تحدث اي تأثير بعد ان صافح شيخ الازهر بيريز, وبعد ان جلس الكثير من الزعماء العرب مع مسؤولين اسرائيليين وتبادلوا التحيات والقبل!
.. ورغم كل ذلك , فلقد ظهر العريفي في موقف يرثى له بعد ان تراجع عن فكرته بقوله انه لن يذهب الى القدس الا مع الفاتحين , وهي فرقعة اثارت في قلوبنا الضحك.
وتحت ضغط بعض نواب مجلس الأمة اضطرت الكويت لتقديم أحمد الجار الله الى المحاكمة, وأثناء المحاكمات التي استمرت بعض الوقت اكتشف القاضي, ان الجار الله لم يرتكب أي جريمة سياسية حتى يعاقب عليها , فمن خلال الاسئلة والاجوبة التي حاصروه بها تبين لهم أنه لم يكن ينوي الذهاب الى الأراضي المحتلة, وأنه لم يعد لهذه المهمة أي استعدادات مع الجهات الاسرائيلية, وأنه لم يتصل بأحد من المسؤولين الاسرائيليين لاعداد برنامج لهذه المهمة, وقال الجارالله انني ذاهب الى فلسطين أليست ارضا عربية, ولا يهمني ان كانت محتلة او مستعمرة, فكيف نطالب بعودة اللاجئين وتحرموننا نحن العرب من زيارة ارض عربية اغتصبها الصهاينة?
وانتهى القاضي في حيثيات حكمه على الجار الله.. أنه صحافي , يبحث عن الشهرة الواسعة, واطلق قنبلة من باب الحصول على ضجيج اعلامي يزيد من شهرته الشخصية, ويروج لصحيفته سمعة وشهرة, خارج الكويت.. وانتهى القاضي بعبارة: وأنه قد حقق ما اراد الوصول اليه... ثم أطلق سراحه!