لندن - كتب حميد غريافي:
تنزلق الاوضاع المحتقنة في لبنان بسرعة فائقة وخطورة مقلقة نحو مواجهة مسلحة شيعية - مسيحية هذه المرة قد تبدأ بحادث من هنا او حادث من هناك على خطوط التماس الساحلية او الجبلية بين "القوات اللبنانية" برئاسة سمير جعجع و"حزب الله" بقيادة حسن نصرالله, بعدما كُشفت نوايا السوريين والايرانيين المبيتة منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري العام 2005 واندلاع ثورة الارز المسيحية - السنية - الدرزية لإطاحة الاحتلال السوري بعد سقوط حكومته الكرامية داخل البرلمان وتهاوي حلفائه وعملائه الواحد تلو الآخر, ودخول ادواته الامنية السجون, وتقدم الميليشيات الشيعية ل¯"اكمال المسيرة السورية في لبنان" ولكن ببطء شديد ما لبث ان كشف عن انيابه بعد ثلاث سنوات من اجتياح بيروت السنية والجبل الدرزي تماما على غرار الاجتياحات العسكرية السورية مناطق لبنان الواحدة تلو الآخرى منذ بدء احتلالها العام ,1976 الا ان "حزب الله" و"حركة امل" ابتعدا عن المناطق المسيحية بشكل حاسم بذريعة تحالفهما مع ميشال عون, لكن الحقيقة كمنت في انهما وإن كانا قادرين على تفجير حرب مذهبية مع الاطراف المسلمة الاخرى لضعفها وهزالها العسكري الا انهما غير قادرين على خوض حرب طائفية مع القوة المسيحية التي استعادت زخمها وعناصرها وقياداتها منذ خروج سمير جعجع من السجن وعودة امين الجميل من المنفى, ولأنهما وإن كانا يستضعفان السنة والدروز بسبب ترسانتهما الهائلة من الاسلحة وفتح الحدود السورية - اللبنانية امام امدادهما المستمر بها, الا انهما عاجزان عن "القيام بنزهة 7 مايو جديدة" في مناطق "القوات" و"الكتائب" الواقعة كلها تحت جناحي بكركي الوارفين كما فعلا في جنوب العاصمة والجبل قبل سنتين.
وقالت مراجع روحية مارونية قريبة من البطريرك نصرالله صفير "ان هذا الاحتقان المخيف خصوصا بين "القوات" و"حزب الله" سواء كان سياسيا ام امنيا, هو ما يحدو بسيد بكركي يوميا تقريبا الى التحذير من الفتنة والدعوة الى هدوء النفوس المعبأة, وحض الجيش والقوى الامنية الاخرى على وجوب التعامل مع كل اطراف النزاع بمستوى واحد والى اخذ الامور بأيديها على جميع الاراضي اللبنانية وانهاء المربعات والدويلات الداخلية والهجينة, كما يحدو به بشكل خاص الى محاولات دؤوبة لضبط النفس لدى جماعاته المسيحية التي باتت تشعر بأن النظام السوري (كما يتهمه جعجع مباشرة) يتقدم بخطى ثابتة لاستعادة خسائره في لبنان بعدما اعتقد خطأ او شُبه له ان انقلاب وليد جنبلاط على حلفائه والعودة الى تحت العباءة السورية سيؤثر بشكل او بآخر, ولم يعد مستحيلا ان يتبعه انقلاب في مواقف زعيم "14 آذار" سعد الدين الحريري لمجرد زيارته دمشق, متخيلا ان سقوط الاثنين من على جدار "ثورة الارز" الى مقلب حلفائه في "8 آذار" هو نهاية المطاف بالنسبة لهذه الثورة وبداية العد العكسي لعودته الميمونة الى لبنان, ولم تبق هناك عقبة سوى "المسيحيين المتطرفين" وخصوصا "القوات اللبنانية" و"الكتائب" والاحزاب الاخرى الحليفة معها اذ ان تصوره الخطأ بأن حليفيه المارونيين ميشال عون وسليمان فرنجية قد يقدمان او يؤخران في الموقف المسيحي العام بزعامة وقيادة البطريرك نصرالله صفير, سيكشف له خطأه الفادح".
ونقلت المراجع الروحية ل¯"السياسة" في لندن امس "عن معلومات امنية تصل تباعا الى بكركي تقول ان "حزب الله" و"الحزب السوري القومي الاجتماعي" توصلا اخيرا الى منح الضوء الاخضر بطلب سوري ملح الى قادة كوادرهما لبدء التحرشات في مناطق التماس مع "القوات" و"الكتائب" في اماكن مثل الشياح, عين الرمانة والقرى والبلدات المسيحية المنتشرة في البقاع وعلى طول مرتفعات سلسلة الجبال الغربية اللبنانية التي تفصلها عن البحر, ومن بينها قرى في عيون السيمان وصولا الى عيون ارغش التي حاولت مجموعة من عناصر "حزب الله" التحرش بسكانها وجس نبضهم لمعرفة استعداداتهم الدفاعية عن المنطقة, وهو امر ليس جديدا, فقد لجأ الحزب الايراني مرات لجس نبض مناطق مسيحية مثل عين الرمانة ووادي شحرور والجديدة وجبيل, الا انه خرج خائبا لا يلوي على شيء امام ما لمسه من استعدادات حقيقية يمكن ان تكبده خسائر فادحة في اي مواجهة وتكسر شوكة هيبته وادعاءاته بأنه "سيغير وجه الشرق الاوسط".
وقالت المراجع الروحية ان اعلان "القوات" و"الكتائب" اندماجهما لمواجهة الانتخابات البلدية والاختيارية المقبلة, "لا يقتصر على الانتخابات فحسب, بل يتعداه الى عمق الاندماج السياسي - العسكري - الامني - التنظيمي على جميع اراضي لبنان مقابل اندماج "حزب الله" و"امل" الذي يضع المجتمع الشيعي, بما فيه الشرائح المعارضة لهما, تحت رحمتهما المسلحة".
واكدت ان "تطورات على الارض قائمة على قدم وساق في المناطق المسيحية تؤكد تلك الاستعدادات الشبيهة باستعدادات ما قبل حرب 1975 وإن كانت اوسع منها واكبر فاعلية بسبب دروس الماضي الاليمة, لأن هناك بوادر لافتعال حادث ما من الجماعات السورية والايرانية يفجر الاوضاع الطائفية ويحول الانظار الدولية والعربية عن السعي الحثيث لإنهاء مسألة الملف النووي الايراني بشتى الوسائل, في حال فشلت طهران في اصدار اوامرها الى "حزب الله" لفتح جبهة مع اسرائيل لم تعد على ما يبدو قادرة في ظروفها الداخلية والخارجية على اصدارها الآن".
كشف أوراق سليمان!
واخذت المراجع الروحية على رئيس الجمهورية ميشال سليمان "كشف كل اوراقه التي كانت مستورة حتى الآن من خلال "حماية حزب الله برموش عينيه", و"اقامة افضل العلاقات الاخوية المميزة مع الشقيقة سورية", ووقوفه الى جانب "حزب الله" في تجاوزاته في المناطق اللبنانية من دون السماح للقضاء بملاحقة مجرميه وقتلته, ثم ارسال "مغاويره" الى عيون ارغش لاعتقال مدافعين عن بلدتهم وعائلاتهم من تحرشات السوريين والايرانيين".
وقالت المراجع: "لا نعرف حتى الآن ما اذا كان سليمان يرتكب كل هذه الاخطاء عن غير قصد ام انه جزء من المخطط السوري - الايراني الذي بات مكشوفا اليوم وبات مطلوبا من حلفاء دمشق وطهران بشكل علني لا لبس فيه, بعدما ضاق الخناق الدولي عليهما وباتتا في حالة دفاع تعتقدان انهما قد تصمد اكثر بإشعال حريق واسع في لبنان او قطاع غزة او حتى العراق واماكن اخرى في المنطقة".
وتساءلت المراجع "اذ كان بعض القرى المسيحية الخائفة من همجية من اقتحموا بيروت والجبل في 7 مايو من العام 2008 وقتلوا وجرحوا وشردوا المئات, يمتلك بعض سكانها اسلحة خفيفة او متوسطة للدفاع عن النفس, فماذا تفعل هذه الترسانة من الاسلحة الايرانية ل¯"مقاومة اسرائيل" في عيون ارغش والهرمل وبعلبك ورياق والبقاعين الاوسط والغربي والضاحية الجنوبية من بيروت وعلى امتداد الساحل الجنوبي وفي مرتفعات جبيل وسواها? واذا كان اللبنانيون مجمعين على نزع اسلحة الفصائل الفلسطينية خارج المخيمات, وهي لا تقارن بترسانة "حزب الله" لا من قريب او بعيد, والتي يدعي جبريل وابوموسى وسورية انها لمحاربة اسرائيل, افلا يمكن القول الشيء نفسه عن سلاح "حزب الله" و"حركة امل"?
وفي السياق نفسه اعلن رئيس "المجلس العالمي لثورة الارز" في واشنطن جو بعيني امس انه يعتبر حادث عيون ارغش "محاولة من "حزب الله" عبر نفوذه القوي داخل الجيش اللبناني واستخباراته بمثابة جس نبض للمجتمع المدني المسيحي في شمال لبنان بعدما اختبر سنة بيروت ودروز الجبل العام 2008".
وحذر بعيني الحزب الايراني من "وجوب عدم الضغط اكثر فأكثر على ثورة الارز في لبنان لأن النتائج ستكون بعكس ما يأمله ويتوخاه".