وقفة تأمل
الحداثة العلمية الغربية هي نفسها التي ولدت جيوش النازيين والجماعات الفاشية
من الأمور التي يجدر بعلم النفس الديني الاهتمام بها بصورة أكبر وأوسع طبيعة السلوك الطائفي وكيفية تكونه والعوامل المساعدة في تكوينه, فما السبب في جنوح مجتمع نحو سلوك الإلغاء والتهميش بشتى الوسائل في حين يخلو أو بتعبير أدق يضعف هذا السلوك في مجتمع آخر? مع العلم أنه في كلا المجتمعين تعتقد جميع الطوائف كل على حدة بأنها المذهب والدين الصحيح والحقيقي.
فالبحث في السلوك من الجانب النفسي لا يقل أهمية عن بحثه في الجوانب الاجتماعية والسياسية, لأن النفس بطبيعة الحال منبع السلوك, وأي بحث في الأسباب السياسية والاجتماعية للسلوك إنما هو سعي لاستكشاف كيفية تكون الحالة النفسية التي أنتجت سلوكا معينا, فالمشكلات الاجتماعية والسياسية التي عانت منها الطبقة العاملة والوسطى منذ بدايات تكون المجتمع الصناعي أنتجت فيما بعد علما سمي بعلم النفس الصناعي.
لكن مع ذلك لا يمكن الاستغناء عن التفسيرات الأخرى, فبالنسبة الى السلوك الطائفي لا خلاف على أن طبيعة النظام السياسي تساعد في إفراز سلوك مجتمعي متوافق مع طبيعة النظام, ففي نظام ديكتاتوري أو بوليسي فإن عنف المجتمع إنما يتشربه من منبع السلوك العنفي الذي تمارسه أجهزة هذه الأنظمة مع شعوبها, فالقهر والتعذيب والكبت كلها تأسس لسلوك يتسم بالعنف والقتل وفي أحسن الأحوال إلى الإلغاء والتهميش.
وهكذا الأمر في الجوانب الأخرى, ففي مجتمع لا تتوافر فيه تنشئة اجتماعية صالحة وسالمة ينعدم في المجتمع سلوك التسالم والتصالح, بل يمكننا القول أنه في ظل العولمة الاجتماعية والثقافية فإن تنشئة اجتماعية تقتصر على التنشئة التقليدية أو العلمية لا تؤسس لمجتمع مسالم ومتعايش في ظل التداخل الإعلامي والرقمي مع الشعوب التي تعاني إضطرابا واحتقانا, وإنما التنشئة التي تزرع التسامح والتعاون هي التي تحصد التعايش والسلم.
ولا شك أيضا أن للموروث الديني دورا أساسيا في تشكيل العقلية الطائفية, وإن شئنا الدقة فيمكننا القول ان الموروث الديني المنتقى هو الذي يساعد في تشكل الثقافة الطائفية, فالانتقاء المتعمد من التراث هو رافد من روافد هذه الثقافة.
هذه الأسباب والتفسيرات تحاول في الواقع تفسير كيفية تشكل الحالة النفسية للمجتمع الطائفي التي تؤهله لأن ينتهج سلوكا يتسم بالعنف والإلغاء للآخر, وبعبارة أخرى يمكننا القول ان جميع الأسباب الآنفة إنما تحاول أن تفسر كيفية تشكل سلوك وثقافة الرغبة لدى الإنسان "الطائفي".
وثقافة الرغبة تعني ثقافة الغريزة والشهوة على حد تعبير سبينوزا, لهذا يمكننا القول ان الثقافة الطائفية إنما هي ثقافة الرغبة والغريزة التي لا عقل فيها, فالثقافة الغريزية تنبع كما قال سبينوزا من الحب في البقاء, وفي ظل عدم وجود ثقافة أخرى تهذب هذه الغريزة وتعطي لها ضمانات البقاء فإن عودتها لصيغتها البدائية والطبيعية هي الوسيلة الوحيدة للبقاء وهي وسيلة العنف والنفي والإلغاء.
لذلك لا بد من وجود ثقافة أخرى "عقلانية" تمارس تهذيبا ومنعا لثقافة الرغبة عن العودة لصيغها البدائية, ولا تكفي وصفات سلوكية عامة لانجاز هذا الغرض, فالدعوات لثقافة التعايش والمواطنة والسلم الأهلي لا يمكن أن يكون لها أثر إن لم تتحول إلى روافد اجتماعية وسياسية, أي الى سلوك متطبع في حياة الناس اليومية. هذا السلوك هو الذي يعطي ضمانات البقاء للغريزة والرغبة الإنسانية.
ومن نافل القول أن الذي يمنع تكون ثقافة الرغبة لدى الانسان عموما هو الثقافة التي تكون سلوكا وليس الثقافة التي تكون علما, وهذا ما يؤخذ على الحداثة الغربية التي أسست لثقافة العلم (العقل) وجعلتها المهذب الأول للإنسان, فتوصلت أن جعلت الطبيعة مهذبها الأول, ثم انتهت بأن جعلت مهذبها الغريزة والشهوة واللذة.
فالحداثة العلمية الغربية هي نفسها التي ولدت جيوش النازيين والجماعات الفاشية, فمن دون أن تتحول الثقافة إلى سلوك وأخلاق لا يمكن منع الإنسان من العودة إلى الغريزة والرغبة التي هي دائما تجنح للعنف والتهميش, وكما تكونت الثقافة النازية من ثقافة غريزية, وهي حب البقاء للجنس الآري فكذلك الثقافة الطائفية المتكونة من ثقافة غريزية تسعى إلى البقاء لمذهبها ودينها بشتى الوسائل.
* كاتب كويتي
tahmasbi2@yahoo.com