Porsche
إقرأ المزيد..
  • مجموعات تابعة لوهاب و"القومي" تقاتل...
  • دول "الخليجي" تدشن سلسلة الإجراءات ...
  • دمشق تضع ثلاثة شروط للإفراج عن 49 ض...
  • لافروف للأسد: أنتم تتحملون مسؤوليات...
الصفحة الرئيسية  أحمد غلوم بن علي
30/03/2010
الخروج من دولة الرعاية الاجتماعية

وقفة تأمل
أوروبا صنعت مجدها الانتاجي في ظل التقشف الاقتصادي ومن ثم الديمقراطي

برزت مقولة أو قاعدة سياسية كعرف في الدراسات والأبحاث السياسية مفادها "أن لا تمثيل سياسي مقابل لا ضريبة, وأنه يوجد تمثيل سياسي مقابل وجود الضريبة", وبعبارة أكثر تفصيلا, أنه في ظل وجود دولة رعاية تعفي المواطنين من رسوم الخدمات الاجتماعية من تعليم وطبابة وغير ذلك, فإنه يجب أن لا تكون هناك مطالب سياسية ودعوات ديمقراطية من قبل المجتمع للدولة, وتختلف حجم هذه المطالب من دولة لأخرى بطبيعة الوضع.
في المقابل فإن تقليص هذه الرعاية من الدولة يعني وضعها أمام المساءلة السياسية من المجتمع المتحرر من قيود الدولة البيروقراطية والخدمية التي تقيده وتحجم مطالبه, لكن برز سؤال في التحليلات السياسية في تفسير هذه المعادلة القائمة في الدول العربية خصوصاً, وهو كيف يمكن للمجتمع تقبل مثل هذه المعادلة?, فكيف يمكن تصور يشكل رأياً عاماً وثقافة عامة تتنازل ولو جزئيا عن التحول نحو الديمقراطية بكل ما تعني الكلمة من معنى مقابل رعاية الدولة الخدمية?
لا يبدو الأمر كصفقة بطبيعة الحال إلا أنه يبدو واضحا في الدول المنتجة للنفط على وجه التحديد أنها تمكنت من صناعة الاستقرار السياسي لنظمها من مواد هذه الرعاية الشاملة لمجتمعاتها, ويبدو هذا واضحا في الاضطرابات السياسية (كثورة أو انتفاضة الخبز والمحروقات) في بعض الدول العربية الريعية غير المنتجة للنفط وذلك بسبب ضعف الدولة في توفير هذه الرعاية.
للإجابة على هذا السؤال يلزم باعتقادي التعرف على معنى المجتمع الجماهيري وكيف أن الدولة العربية ساعدت في تكوينه, فالمجتمع الجماهيري يعبر في الواقع عن السلوك الجمعي للمجتمع, ويعود تكون ما يعرف بالمجتمع الجماهيري إلى تحولات وتطورات الإنتاج الرأسمالي الغربي التي ساعدت على صناعة سلوكية مجتمعية متشابهة, فالثورة الصناعية الثانية وبالتحديد نهاياتها أحدثت مفارقة في الطبقية الاجتماعية القائمة آنذاك, فقدرة الإنتاج الصناعي الذي استطاع الإنتاج بالجملة لسلع كانت حكرا لطبقات معينة بسبب أسعارها الباهظة أصبحت في متناول الجميع.
وهذا شمل جميع السلع من مأكل وملبس إلى الثقافة والذوق, وعزز ذلك ظهور دولة الرعاية في الغرب لتخفيف الفوارق الطبقية بين فئات المجتمع, هذا ما جعل المجتمع أشبه ما يكون بنسق واحد وطبقة واحدة (جماهيرية), في البلدان العربية الوضع يختلف, حيث أن المجتمع الجماهيري تكون في جزء منه كامتداد للعولمة الرأسمالية وتعميم السلع والأذواق, لكن في جزء آخر رئيس (ممهدا للأول) كانت الدولة صانعة لذاك المجتمع.
فبدءا من عمليات التأميم للقطاع العام في الخمسينات والستينات من القرن الماضي وحرب السلطة آنذاك على الإقطاعيين إلى الطفرة النفطية في السبعينات جعلت الدولة العامل الرئيس لتخفيف الفوارق الطبقية عبر دمج المجتمع في قطاعاتها العامة وبالتالي صناعة مجتمع جماهيري (لأسباب ذكرناها في مقالات سابقة), وكان هذا أثناء اندلاع أصداء الثورة الصناعية الثالثة (الرقمية) التي قربت المسافات بين الدول والشعوب والطبقات.
إن أحد خصائص وروافد هذا المجتمع هو الثقافة الجماهيرية والسمة الأساسية فيها النزعة الاستهلاكية, فالمجتمع الجماهيري هو رائد الثقافة الاستهلاكية بامتياز, وهذه النزعة إنما ترعرعت عربيا في حضن الدولة وليس في ورش المصانع كما هو في الغرب, وبعبارة أخرى النزعة الاستهلاكية العربية هي ربيبة الدولة, فالرعاية الاجتماعية واللا ضرائب التي رفعت من مستوى دخل الفرد في الدول المنتجة للنفط على وجه التحديد أطلقت العنان لبلورة ثقافته الاستهلاكية.
وفي ظل مجتمع أسير هذه الثقافة يبدو عليه صعبا أن يفتعل أزمات تحت عناوين إصلاح سياسي أو تحول ديمقراطي كي لا يخسر هويته الثقافية الاستهلاكية, ولعلي هنا أدعي بمعادلة أخرى توضح المقولة والمعادلة الأولى, وهي أن عدم وجود ضريبة (رعاية) يعني ارتفاع متوسط دخل الفرد ويعني اطراد في النزعة الاستهلاكية, وأخيرا يؤدي إلى غياب المساءلة والمطالب السياسية, والعكس صحيح, فوجود ضريبة (لا رعاية) يعني انخفاض متوسط دخل الفرد, وهو ما يعني تقلص النزعة الاستهلاكية ولو جزئيا ثم تصاعد المطالب والإصلاحات السياسية.
ولا نستغرب هذه العلاقة فكما أن النزعة الاستهلاكية تؤدي إلى تحولات في القيم الاجتماعية كذلك تؤدي إلى تحولات في القيم السياسية, فالسعي المحموم لاقتناء العلامة والماركة مثلا أدى لاختلالات في المفاهيم الاجتماعية وتغيير معايير الجمال والصداقة وغير ذلك, فالماركة لا تصنع الفوارق الطبقية الوهمية كما يريدها اللاهثون وراءها فقط, إنما تصنع شذوذا جنسيا, وأناقة مخلة, وقدوة منحلة, وعادات مريبة وغير ذلك.
وهو ما يسري في القيم السياسية أيضا, فكما يقول خلدون النقيب في عنصر الثقافة الاستهلاكية أن السلع والعلامات تصبح قابلة للبيع والشراء والتبادل بتحويلها إلى أشياء أخرى, فكما أن النزعة نحو الموضة تصنع مشاهير الموضة, فكذلك فإن النزعة الاستهلاكية تحول اللص إلى شريف والفاسد إلى صالح والسلطة المستبدة إلى سلطة ديمقراطية لسبب واضح, أنه ممول رئيسي لنزعته الاستهلاكية.
لا ننسى أنه في ظل التقشف الاقتصادي صنعت أوروبا مجدها الإنتاجي ومن ثم الديمقراطي, أما في ظل وجود ثقافة استهلاكية تمولها الدولة فإن أي تحول سياسي واقتصادي لن يكون لهما وجود في خارطة إرادة المجتمع الجماهيري.
كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com

ملاحظة: إن الآراء المذكورة في التعليقات تعبر عن وجهة نظر أصحابها فقط ولا تعكس بالضرورة رأي صحيفة "السياسة"
الاسم*
عنوان التعليق*
التعليق*