هل تستشعر حكومة نتانياهو بأن الشعب الفلسطيني على أبواب انتفاضة ثالثة وأن هذا الضغط لابد ان ينفجر بوجه إسرائيل؟
بعد أن أدركت إدارة الرئيس الأميركي بأن حل القضية الفلسطينية يشكل المدخل الطبيعي والأساسي والمحوري لكل أزمات المنطقة أو معظمها, وأن إحلال السلام الشامل والعادل يلعب دوراً أساسياً في ستراتيجية مكافحة الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة, كثفت وسرعت إدارة أوباما وتيرة زيارات مبعوثيها إلى المنطقة, فكانت زيارات جورج ميتشيل والمتوقع عودته من جديد في المرحلة المقبلة, ناهيك بزيارات وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون المكوكية, توجت أخيراً بزيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن. والهدف هو التوصل إلى مرحلة إطلاق جدية لعملية للسلام, ووضع خريطة طريق تؤدي للخروج من النفق الذي دام ثلاثة عقود, تاريخ تهجير الفلسطينيين عن أرضهم. ولكن حتى البارحة وقبل أن يتلقى بايدن الصفعة المدوية بتعمد نتانياهو إعلان مشروع استيطاني جديد في القدس الشرقية وصولاً إلى ما يناهز 1600 مسكن, خلال تواجد نائب الرئيس الأميركي في إسرائيل, ومن بعدها إعلان "استياء" كل المراجع الغربية وشجبها لهذا القرار, كانت الإدارة الأميركية تؤثر دائماً ابتكار الأعذار لتعنت ومراوغة ودجل إسرائيل, وتختلق التبريرات لإمعانها في ضربها عرض الحائط كل الأطر والقوانين والشرائع الإنسانية في تعاملها مع الفلسطينيين, ولتهربها الدائم من الالتزام الجدي بأي مسار تفاوضي.
لكن رب أسئلة تطرح حول إدراك إسرائيل الفعلي لموازين القوى المسيطرة في المنطقة ولدور كل منها في النزاع القائم? بمعنى هل تدرك إسرائيل واقع المنطقة الفعلي أم تتجاهله? هل تعي أن إحباطها الدائم لكل المسارات التفاوضية يناسب محور الممانعة ويصب في مصلحة استمراره? وهل تستشعر حكومة نتانياهو اليوم بأن الشعب الفلسطيني على أبواب انتفاضة ثالثة وأن كل هذا الضغط لا بد وأن ينفجر بوجه إسرائيل بطريقة أو بأخرى? إسرائيل تدرك جيداً كل هذا . وتعرف أن صورايخ القسام على بدائيتها هي قادرة على إلحاق الأذى بشعبها ومدنها. على ماذا تراهن إسرائيل? هل على قواها وعتادها وإمكانية الإمداد الأميركي المؤمن والمتوفر? ألم تدرك بعد بأن كل هذه الترسانة العسكرية على ضخامتها وتطورها التكنولوجي لم تشكل حتى الساعة قوة ردع فاعلة, ولم تؤخر العمل الفلسطيني المقاوم للظلم والعدوان? هل تعي بأن قوة الردع لم تسهم حتى الساعة سوى بزيادة منسوب التسلح في العالم العربي, وصولاً إلى السعي لامتلاك القدرة النووية وليس فقط عند إيران بل من قبل سائر البلدان العربية, ما من شأنه أن يحول المنطقة بأكملها لبركان متفجر?
هل تدرك إسرائيل بأنها كيان غريب عن العالم العربي والإسلامي? إلى متى تؤثر خيار الحرب والعداء وستراتيجية الكره مع جوارها العربي هذا? وهل وعت الحكومات المتعاقبة في إسرائيل بأن حل نزاعها المزمن مع جوارها العربي عن طريق رد الحقوق لأصحابها والالتزام بالقرارات الدولية أضمن لها ولشعبها على المدى القريب والبعيد? إسرائيل تعرف جيداً كل هذا لكن حساباتها هي مختلفة تماماً وفي مكان آخر.
حساباتها بالمختصر هي أنها لن تنخرط في أي عملية سلام جدية لا اليوم ولا غداً ولا بشروط العرب ولا حتى بشروطها هي. إسرائيل لا تريد السلام, لأنه يحجمها ولأنه يحولها إلى دولة صغيرة ضمن عالم إسلامي مترام. وقوى الممانعة وعلى رأسها الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تريد تحقيق أي سلام هي الأخرى, لأن تحقيق السلام يسحب من يدها إمكانية المزايدة بورقة القضية الفلسطينية. وهو واقع سوف يسجله التاريخ كمرحلة فاقعة, لأنه من النادر أن يلتقي خصمان وعدوان لدودان على المحافظة على فتيل الصراع مشتعلاً ومتوهجاً بينهما, والاستمرار على هذا المنوال في غياب أي رغبة من أي منهما لحسمه نهائياً. يهاجم الستراتيجي الإسرائيلي المحنك إيران و"حزب الله" وحركة "حماس" والجهاد الإسلامي على الملأ, ولكنه لا يصر بالمقابل على حسم الصراع مع أي من هذه الأطراف بالضربة القاضية, على قاعدة وسياسة لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم. يعرف جيداً تداعيات تحقيق السلام مع الفلسطينيين على مصير سلاح "حزب الله" و"حماس", ولكنه لا يقدم عليه.
ربما يدرك هذه العقل جيداً كل النتائج الإيجابية لتحقيق السلام العادل والشامل, لكنه يرى في حسابات أخرى بأنه يكسب أكثر في تغذية حالة العداء الدائم. يعرف جيداً بأن سورية لن تشكل أي خطر على إسرائيل, وبأنها لن تنخرط في أي حرب لأن أي حرب أياً كان شكلها أو نتائجها قد تؤثر سلباً على الاستقرار الداخلي في سورية, والقاعدة نفسها تنسحب على النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.. ربما تعرف إسرائيل بان إيران لن تبادر إلى الحرب لتفادي انعكاساتها على الصعيد الداخلي ولأنها بغنى عن فتح جبهات جديدة تضاف إلى المواجهة المستعرة في الشارع الإيراني. وأكثر من ذلك ربما يناسب إسرائيل أن تلعب إيران دور البعبع والفزاعة لدول الخليج العربي والعالم السني الواسع والمترامي الأطراف, وبالتالي قد تكون تستبعد احتمال الضربة العسكرية على إيران على أقله في الخفاء فيما تعلن العكس... من ناحية "حماس" قد لا يكون مستبعداً تفضيل إسرائيل لبقاء الشرخ قائماً في البيت الفلسطيني الداخلي فلا تسعى للتخلص نهائياً من "حماس". في النهاية تفضل إسرائيل الكلام عن الحرب بدل الذهاب إليها, وحسم المعركة بشكل يخدم مصلحة طرف الاعتدال في العالم العربي على حساب قوى الممانعة قد يزعجها. هل تدرك إسرائيل بأنها تتلاقى مع قوى الممانعة على إبقاء حالة اللاسلم واللا حرب هذه قائمة? ربما تدرك ذلك جيداً وبالتالي قد لا يكون مستغرباً استمرار هذه الحالة إلى ما لا نهاية.
كاتبة لبنانية
maha.aoun@hotmail.com