وقفة تأمل
المجتمعات التي تعاني من الطائفية والقبلية والفئوية غير قادرة على استنهاض نفسها
من مؤشرات قياس صعود أو نزول اقتصادات الدول متوسط مستوى دخل الفرد, بيد أنها تبقى مؤشرات تقليدية لا تعبر عن واقع التنمية لكل دولة, فهناك دول تفوق الصين في مستوى دخلها في حين أنها غير صناعية مثلا وإنما دول تعتمد على تصدير مواردها الطبيعية كدخل ثابت, فالأدوات التقليدية للقياس الاقتصادي لا تكشف عن واقع التنمية الاقتصادية للدول وإنما ما يكشف عن هذا الواقع هو ما تملكه الدولة من رأسمال وتأتي المعرفة على رأسه.
من أجل ذلك نقول أن مستقبل التنمية للدول لم يعد يعتمد على الرأسمالية التقليدية للدولة, ونعني بذلك استثمار الموارد الطبيعية كالزراعة والنفط والمعادن والجغرافيا وغير ذلك من امتلاك أدوات الإنتاج والصناعة, وإنما يكمن مستقبل التنمية في طبيعة رأسمالية الدولة, فالدول التي تملك القدرة على ابتكار الصناعة واكتشاف مجالات استفادة جديدة للموارد الطبيعة أي الرأسمال الذي يعتمد على العلم هو الرأسمال الذي يعبر عن مستقبل التنمية.
وتمثل الدول العربية المثال الحي لمثل هذه الاقتصادات التقليدية, فرأسمالية الدولة العربية كانت ولا تزال تعتمد على ما أسميه الحيازة المادية, فالحيازة تعني جميع ما تملكه الدولة من موارد ووسائل إنتاج, فالحيازة لا تعني بالضرورة أن الدولة تخلو من مصانع ومعامل تصنع وتنتج للداخل وتصدر للخارج بيد أن دورها وسقفها لا يتعدى النظام المتبع في خطوط الإنتاج, وبعبارة أخرى, هناك فرق بين الحائز على شيء وصانع الشيء, فالأول يعتمد على ما يملك للاستفادة مما ينتج هذا الشيء فقط, في حين صانع الشيء لا يعتمد بالضرورة على شيء كي ينتج وإنما بإمكانه أن ينتج أي شيء من دون أن يملك شيئاً!, لأنه يملك المعرفة (اللاشيء).
أما الشق الثاني من رأسمالية الدولة العربية (الحيازة المادية) وهي المادية, فنعني بها ما تملكه الدولة من موارد طبيعية ووسائل إنتاج, وهي موارد لم تعد كافية لاستشراف مستقبل للتنمية, فرأسمالية الدولة خرجت عن طابعها المادي إلى طابع معنوي أي معرفي وعلمي, فحيازة العلم تعد اليوم رأسمالية الدولة المتقدمة في مجال التنمية.
فمجتمع المعرفة أو اقتصاد المعرفة دخل اليوم كأحد المؤشرات الاقتصادية الجديدة لقياس التنمية, ولم تعد الاقتصادات تعتمد على امتلاك وسائل الإنتاج لإنجاح اقتصادياتها وإنما امتلاك المعرفة الصانعة لتلك الوسائل, لهذا فالمجتمع القادر على اكتشاف واستثمار هذا الرأسمال هو القادر على انتشال نفسه من التأخر والتخلف في شتى الأصعدة.
لكن حيث أن الدولة في عالمنا العربي مصابة بالتسلطية والتبعية, فإنها غير قادرة على بناء مثل هذا الرأسمال, فتسلطية دولنا تفرض عليها من أجل حل عقدة شرعيتها السياسية أن تحتكر وتخترق المجتمع وتجعله مولدا للأزمات لتسيطر عليه وتفرض شرعيتها بالقوة الناعمة, وتبعية دولنا تفرض عليها من أجل الحفاظ على وجودها أن تقلد وتتبع الخارج في كل شيء, من السياسات إلى المأكل والملبس, لذلك فهي ليست عاجزة عن بناء أي رأسمال جديد فقط, بل هي تعتقد أن الرأسمال كالعلم والمعرفة يهدد أصل وجودها, فالعلم مدخل لإعادة ثقة المجتمع بنفسه وعقله ومعارفه وهو ما يشكل مدخلا لإعادة النظم في علاقاته السياسية مع نظامه وشرعيته, وقد فصل جيمس تريفيل في كتابه لماذا العلم تفصيلا شيقا (صدر أخيراً عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت).
لهذا لا مفر من خيارات يتبناها المجتمع لوحده, بل ليس كل المجتمع وإنما فئات علمية منه تشارك وتؤسس وتفعل هذا الرأسمال في المجتمع, فنحن اليوم بحاجة إلى تنظيمات وتجمعات غير سياسية وإنما علمية, هدفها الرئيس هو المجتمع لا غير, ولا تعتمد على الدولة أو تلقي اللوم عليها, وإنما تتفرغ لخلق روح الإبداع في المجتمع عبر نماذجها المبدعة وكفاءاتها العلمية.
إن دور مثل هذه المنظمات أو التجمعات العلمية يعتمد بشكل أساسي ليس على الإبداع نفسه أي اختراع أمور جديدة في بلدانها فقط وإنما على إيجاد أدوات الإبداع والاختراع وتبسيطها للمجتمع, ففي الدول الاوروبية هناك اهتمام واضح في طبيعة ألعاب الأطفال على سبيل المثال والتركيز على الكم العلمي من جانب ومن جانب آخر كيفية الاستفادة من هذا الكم في الحياة العامة, وهنا يكون الابداع.
إن المجتمعات التي تعاني من نار الطائفية والقبلية والفئوية ومن التجاذبات الحزبية والإيديولوجية عادة ما تكون غير قادرة على استنهاض نفسها واكتشاف عقولها, لهذا لا مناص من القول أن أي جماعة تريد أن تتولى مثل هذه المهمة لابد لها وأن تعتزل أزمات المجتمع وعقده وتخالط آمال المجتمع وتطلعاته, وبعبارة أخرى نقول إن المرجعية الوطنية يجب أن تكون المرجعية التي تنطلق عبرها مثل تلك التنظيمات والتجمعات حتى تتجاوز حروب ومعارك المجتمع إلى عقول وإبداعات أفراده.
وأخيرا لا بد من القول أن وظيفة العلم لا تقتصر على أداء الوظيفة العلمية وإنجاز المهمة في تجرد مادي, وإنما وظيفة العلم هي خدمة الإنسان والمجتمع, لذلك جزء من مهمات العلم وظيفية وأخرى إنسانية مجتمعية.
كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com