أسوأ ما في الممارسات الحكومية ان تعم الفوضى في المؤسسات, وتتضارب قراراتها فذلك يؤدي الى شللها والى عدم استقرار البلاد, وربما هذا يكشف الأسباب التي تعيق العمل الحكومي في غالبية وزارات الدولة, ويؤخر في الوقت نفسه اطلاق اي مشاريع, اضافة الى خضوع الوزارات للابتزاز النيابي الذي يقوّض كل القوانين, وبالنهاية يصبح الوزير تحت سيف المساءلة النيابية وهو لا يلوي على شيء بسبب تخبطه في قراراته.
وزارة الداخلية تمنح الجنسيات الى بعض الناس وبعد فترة تعلن ان خطأ حصل في قرارها وهي ملزمة باعادة النظر في هذا الشأن, وبالتالي لا تقيم وزناً لما يترتب على ذلك القرار من أضرار لمن مُنحوا الجنسية ومن ثم سُحبت منهم.
وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تمنح التراخيص لجمعيات نفع عام, وبعد فترة تعود وتسحب هذه التراخيص لأن البعض اعترض في جمعية مشابهة, وتغرق في بلبلة لها اول وليس لها آخر.
وزارة التجارة تمنح بعض المشاريع للاستثمار بنظام"B.O.T" وفجأة توقفها لأنها اكتشفت ان خطأ وقعت فيه الوزارة, وذلك بعد ان يكون الناس قد تكبدوا خسائر فادحة, ومن دون أن تقدم الوزارة أي تعويض.
ثمة معلومات ان القضايا الادارية المنظورة أمام القضاء من جراء تخبط الوزارات في قراراتها اكثر بكثير من المعدل المتوقع في الظروف العادية, وهذا يعني ايضا اغراق القضاء في لجة قضايا كان يمكن معالجتها بقليل من المسؤولية في الممارسة الوزارية, وعدم الخضوع لارادة هذا المتنفذ او ذلك, او من خلال الاقتناع ان الوظيفة العامة هي جزء من المسؤولية الوطنية وليست عملا في بقالة, فهذه الوزارات مسؤولة عن مصير العباد وتسيير شؤونهم, وليست مزرعة لهذا الوزير او مصبغة لذاك التيار السياسي, او مكتب تخليص معاملات لهذا النائب او ذاك, وقراراتها لها صفة قانونية وسيادية لانها تكون في بعض الاحيان توازي قوة القانون, والوزير او الموظف الذي يجهل ابسط قواعد عمله, ومسؤولياته القانونية لا يجب أن يتولى هذه المسؤولية, وعليه ان يمضي في حال سبيله, مهما علا كعبه او مهما كانت قوة الدعم النيابي التي تمنحه سلطة تجاوز القانون وارباك العمل العام.
كل هذه الفوضى ليست فقط تعيق التنمية, انما ايضا تمنع تدفق الاستثمارات على الكويت, لأن أي مستثمر لن يفكر للحظة في المغامرة برأسماله في بلاد لا قرار فيها, ووزاراتها لا قرار لها. كما ان ذلك يمنع تطور النظامين الاداري والاقتصادي, وحتى الاجتماعي, ناهيك عن المخالفة الواضحة لعدد من مواد الدستور.
لقد ايدنا قرار الحكومة في التصدي للاضرابات, ولم نزل على موقفنا هذا, لكن هذا القرار لا يكفي اذا لم يقترن بالبحث في الاسباب التي أدت الى هذه الفوضى التي جعلت من خبراء وزارة العدل يُضربون عن العمل, المفترض بهذه الوزارة السهر على تطبيق القانون واعطاء كل ذي حق حقه, لكن عندما تنتشر الفوضى في كل الوزارات يصبح من الطبيعي ان يتمرد الموظفون, بل من الطبيعي ان يعم الفساد كل مفاصل الدولة.
أليس التخبط جريمة وطنية كبرى تستحق المحاسبة الحازمة وعدم التهاون, وعدم الخضوع الى أي ابتزاز مهما كان نوعه?
أحمد الجارالله