الحديث عن تكامل الجيش اللبناني والمقاومة يعني اضعاف المؤسسة العسكرية لمصلحة "حزب الله"
قد تطول لائحة العناوين التي طرحت على طاولة الحوار في القصر الجمهوري في لبنان. وهي عادة سيئة باتت معتمدة من الزعماء السياسيين في لبنان للمواربة ومن أجل الهروب من مواجهة الوقائع بالأسماء, عن طريق الاختباء وراء تسميات وتوصيفات مختلفة. "إستراتيجية دفاعية, "حماية لبنان", "لبنان دولة مساندة, أم دولة مواجهة" وآخر هذه المقولات البدع "التكامل بين الجيش والمقاومة". وبدل أن يقوم النقاش على الجوهر يقوم على الشكل, وعلى الشطارة والمزايدة والمبارزة في اختراع التعابير والمقولات. في الحقيقة يئس اللبنانيون من جدوى هذه المسرحيات, وباتوا غير قابلين لتصديق كل هذه الخزعبلات. ونظراً الى ما أدت إليه هذه "الطاولة", وأسوة بسابقاتها, ربما قد يكون من الأشرف الاحجام في المستقبل عن عقد هذا النوع من "الطاولات" حتى لا يظهر على الملأ مدى الانقسام والتنافر بين مختلف مكونات هذه السلطة المفترض أنها مؤتمنة على مصير البلاد والعباد, وحتى لا يظهر في وضح النهار درك العجز في صناعة القرار اللبناني الداخلي.
هذا في وقت بات معروفاً أن الذي عنى ويعني السلطة فقط في لبنان هو موقف وبالتالي قرار واضح وصريح تجاه سلاح "حزب الله" لا أكثر ولا أقل. وهو موقف تعجز حتى الساعة الدولة اللبنانية عن صياغته. وهنا بيت القصيد. وكل ما عدا ذلك هو من الإنشاء وتركيب الجمل والعبارات الفضفاضة الفارغة. والعجز الرسمي في لبنان كما بات أيضاً معروفاً هو بسبب ما أفرزه اتفاق الدوحة, أي في قيام حكومة وحدة وطنية دائمة الانقسام على نفسها.حكومة وحدة وطنية محكومة بالتعطيل.لذا نرى تمثيليات صناعة القرار عن طريق خلق مؤسسات رديفة لهذه الحكومة,بات إعادة خلقها كل مدة عرفاً وتقليدا متبعاً للهروب من الاستحقاقات الداهمة والمستجدة, والتي هي في المرحلة القائمة فائقة الخطورة نظراً للتهديدات الإسرائيلية المتكررة لتهديم هذا البلد الصغير على رؤوس أبنائه.
يحتج اللبنانيون في أغلبية أدبياتهم وفي أحاديثهم الخاصة والعامة على هذا التقصير ويتأففون من عجز الدولة عن اداء ما هو مطلوب منها خصوصا في ما يتعلق بتطبيق واحترام القرارات الدولية. وعلى خلفية هذه الحالة الاحتجاجية المزمنة, طرح الرئيس سليمان رؤيته الخاصة لمخرج من المفترض أن يشكل رداً مرضياً ومطمئناً لهذه الشريحة الواسعة من اللبنانيين والتي تطالب بدور أساسي وأولي للجيش اللبناني دونما الجيوش والأحزاب المسلحة الأخرى. فاعتبر وفي حديث أخير له وقبيل انعقاد طاولة الحوار أن "عمل المقاومة يبدأ بعد الاحتلال أو في حال عجز الجيش عن القيام أو تراجعه تحت ضغط العدو أو طلب المؤازرة من المقاومة".
كلام واضح وصريح ومباشر للرئيس سليمان, ولكنه صحيح بالمطلق ومن الناحية الميدانية فقط. وإذا كان هذا الموقف صادراً عن رجل عسكري متمرس في الشؤون القتالية, لكنه حمال أوجه من الناحية السياسية على المستويين القريب والبعيد. إذ لابد من طرح بعض الأسئلة بشأن المضمون السياسي لهذا الاقتراح ولهذه النظرية. منها على سبيل المثال يعني تداعيات ونتائج توكيل "المقاومة" بالتدخل بعد حصول الاحتلال. وإذا كان ارتكاز الرئيس سليمان على القانون والشرائع الإنسانية والدولية والتي تقر بحق المقاومة الشعبية عند حصول الاحتلال, واعتبر أن حصول تدخل المقاومة بشكل عفوي عند انهيار الجيش اللبناني أمام ضخامة القوة الضاربة للعدو,هو حق وواجب, فالسؤال هو حول الضمانات أو القواعد والأطر غير الواضحة والتي لم يشر إليها الرئيس اللبناني, والتي قد تكون أساسية, بل وإلزامية حتى تضع ضوابط وتحد دور الحزب, وتنظم سلوكه في المرحلة اللاحقة, لثنيه عن استغلال "توكيل" تدخله في ساحة المعركة, بغض النظر عن احتمال الانتصار أو الهزيمة فيها. لأنه قد لا يكون مستبعداً أن يتكرر سيناريو الجنوب على امتداد الوطن. ويكون في إسكات كل الأصوات النشاز ,من أجل التحكم النهائي بكل مفاصل الدولة كما سبق وحدث بعد أن هيمن "حزب الله" بالكامل على منطقة الجنوب مجبراً حركة "أمل" والأحزاب المسيحية الأخرى على الانكفاء والانسحاب من ساحة المعركة, وبالتالي على التواري عن القرار في الجنوب وحصره فقط بيد "حزب الله".
هذا مع العلم أن إيديولوجية "حزب الله" وفلسفته العسكرية هي قائمة على مبادئ قد تكون مغايرة لما نص عليه الدستور اللبناني, وأحياناً مناقضة له, في ما يتعلق بدور القوى المسلحة والجيش اللبناني على الصعيدين الداخلي والخارجي.
والسؤال التالي هو عن استعداد الحزب لمجاراة أو الالتحاق بأي عملية سلام مقبلة في المنطقة, كأن يجاري لبنان سورية في هذا المسار, وهو موقف غير وارد في ثقافة الحزب نسبة لإيديولوجية الولي الفقيه العازمة على محو دولة إسرائيل من الوجود. بمعنى أن لبنان في يد "حزب الله" هو بمثابة "دولة سبارتا", دولة قائمة ومصيرها وفلسفتها هي ساحة المعركة إلى حين إزالة إسرائيل من الوجود, أسوة بإيديولوجية ولاية الفقيه والذي كان قد أعلن في خطاب سابق له أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله "بأنه يفخر بأن يكون فرداً بولاية الفقيه".
وإن وجب الإشارة هنا وجب التنويه إلى أمر مهم, وهو أن "المقاومة" مثلما سماها الرئيس سليمان, وليس "حزب الله" هي حزب في الواقع وليست مقاومة شعبية جامعة لكل الأطياف والشرائح الشعبية, وتمثل فكرة وطائفة ومذهبا محدودا, ولا تحظى بإجماع وتأييد غالبية الشعب اللبناني. فكيف يراهن الرئيس سليمان على تسميتها ب¯"المقاومة" ويحولها إلى مفهوم المقاومة الشعبية بالمطلق وهي مقاومة محصورة بحزب وطائفة?
ولابد من الإشارة أيضاً إلى أن المقاومة, أي مقاومة "حزب الله", هي رافضة لكل ما يصدر عن المراجع الدولية من قرارات, بل تغيبها, وتراوغ في مسألة الالتزام بها وتطبيقها فعليا على الأرض. والذي يرد من الجنوب ومن طريقة تعامل الحزب مع القوات الدولية يؤكد على تمدد شبكة الحزب القتالية على مختلف الأراضي في الجنوب, وهو ما يتعارض مع القرار 1701. ناهيك عن المناوشات الدائمة للحزب مع القوات الدولية, ما يشي بتقبله لتواجد هذه القوات على أرض الجنوب على مضض. فكيف ينوي الرئيس سليمان التعامل مع المراجع الدولية بعد أن يكون قد أوكل المقاومة الإسلامية بدور الدفاع عن الوطن, وبالتالي أعطاها بشكل بديهي دوراً سياسياً يتعلق بنتائج هذه الحرب المفترضة?
في النهاية لا بد من الإضاءة على أمر فائق الخطورة وهو اعتبار الرئيس سليمان لاندحار الجيش أمرا ممكنا وواردا. ويمكن أن يكون محقاً نسبة لضآلة وضعف العتاد العسكري اللبناني, ولشح قلة موارد الدعم الخارجي له, مقارنة بالقوة الضاربة الإسرائيلية الفائقة التجهيز والتموين. رغم بسالة هذا الجيش المعروفة, وقوة إرادته وعزمه وشجاعته التي برهن عنها في مواقع قتالية سابقة يظل ضعيفا أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية من دون شك وقد لا يتمكن من مقاومتها ودحرها بوسائله وعتاده المحدود. يبقى أن المقاومة الإسلامية ل¯"حزب الله", التي تكون في المواقع الخلفية تظل محافظة على كل إمكانياتها وعتادها, وقد لا تكون بحاجة بالضرورة في ظل السيناريو المقترح من الرئيس سليمان إلى التدخل إلا بعد مرور مدة من الزمن, أي بعد أن يكون قد قطعت الاشتباكات مراحلها الأقسى, فيكون تدخل "حزب الله" في المراحل القتالية الأخيرة للإجهاز بالضربات النهائية, قبل التدخل الدولي المعهود,وولوج مرحلة المفاوضات التي تلي عادة العمليات العسكرية. عندها وضمن هذا السيناريو تكون القوة الباقية على الأرض هي المتواجدة على طاولة المفاوضات, من دون الجيش اللبناني المنهك ومن دون الدولة اللبنانية الممثلة بهذا الجيش.
وهل نستغرب وضمن هذه "الستراتيجية الدفاعية" المقترحة أن يأخذ "حزب الله" دور الدولة بالكامل, ويكون الجيش آخر مؤسسات الدولة اللبنانية التي تقع في شباك "الستراتيجية الإيرانية".
كاتبة لبنانية*
e.mail:maha.aoun@hotmail.com