دولة القانون تجعل من الفعل العقابي مؤسسة خارج إرادة صاحب السلطة فتصبح وطناً
هل مازال هذا العنوان كاشتقاق هيغلي صالحا? أم أنه بات فيه اختراق غير قادر الفكر على ملاحقته, في حضوره, في ما يحدثه من تغييرات في الواقع المعطى الذي أفقدته السلطة في واقعنا العربي كل إمكانية لتبيئته? إنه وفق لذة السلطة هذه أصبحت استحالة التبيئة- عمليا- وكأنها معطى أبدي, لا يحول ولا يزول, وغير قابل للنقض أو النقد أو العصيان. لكثرة التوصيف والتصنيف, وكل الإجراءات المعرفية, والتي مازالت ذات طابع وقائي, وقائي من جحيم المقبل, هذا التصور الدائم بان المقبل أعظم, يشير دوما إلى نكبة المفاهيم, وهل كان للمفاهيم ألا تكون منكوبة وهي تدار على حجر طاحون عتيق, راحتاه, عالم لا ينتظرنا, وواقع هش ومفتوح على كل متغيرات العالم, تنعكس به وفيه كما تشاء بلا ضابط أو رقيب. نهرب من أمة إسلامية, نحو أمة اشتراكية, والآن دخل الميزان أمة ليبرالية أو ديمقراطية, في أي فلك يسبحون? وماذا بعد هذا الأفق, ربما نتحدث في مرحلة لاحقة أو لا ندري ربما الأجيال التي تلي, تتحدث عن أمة سبرانية, أو مريخية, بعد أن يضع الإنسان قدمه فوق المريخ. مازلنا مختلفين على الفارق بين التأويل وبين الاجتهاد, وعلى الفارق بين مقاومة المحتل ومقاومة العشق. المقاوم لم يعد يعشق كما كان الأمر في أيام خلت, بل تحول إلى آلة للقتل عمياء, ليس هو من يحدد عدوه. الروح مبعثرة, وتبعثر الروح يجعل المعنى أقل تماسكا, بل عرضة للنهب الممنهج وغير الممنهج, هنا علماني مع أصولي, وهناك أصولي يريد ذبح أي علماني, وهناك علماني يتحالف مع السلطة, ويبرر اعتقال السلطة لكل أصولي, وهو الذي يدرك أن أسباب ضياع الروح في أن السلطة لم يعد لها روحا, استطاعت أن تخلق ثقافتها من الألف إلى الياء. هذه الثقافة التي ما فتئت تعادي الدولة, وتقدس السلطة. والقداسة فعل إقصائي بالضرورة, وما القمع والحروب الأهلية المشتعلة والكامنة سوى تعبير عن قداسة السلطة. السلطة في منطقتن اصبحت مقدسة, لا رجعة عن هذا الأمر, ولا رجعة عن فعل القداسة, لهذا بات يمكننا القول وعن سبق اصرار وترصد: السلطة روح الأمة. وهنا يمكن لنا أن نقرأ من دون تعب أو جهد, أي روح نعيش فيها? لهذا كنت ومازلت ميالا إلى أن أول النقد هو في نقد السلطة, ونقد السلطة يقتضي متابعة إجراءاتها الصغرى أكثر مما نتابع إجراءاتها الكبرى, تحت عناوين ونياشين عريضة. عندما نتحدث عن الممانعة والاعتدال, نملأ الصحف, ونشحذ الهمم, ونصطف ممانعا أم معتدلا! بينما الأمر أن الممانع والمعتدل,لا يمكن أن يتنازلا عن لذة السلطة حتى لو, هذه ال"لو" أكبر من أن نتحدث عنها لأنها مفتوحة على كل خيارات جهنم وبئس المصير, أغرقتنا السلطة في معاييرها, معتدلا وممانعا, إنه حجب رؤية بأوراق رسمية, ومن دون تورية, الحيز الداخلي للسلطة عندنا خط أحمر, حتى المعتدل, اقترب من حيزه وسترى ممانعا من طراز رفيع, إذا كنا نقبل أن نقتنع مع سلطاتنا أن ما يتعلق بإسرائيل هو أكبر منا جميعا, ولكن لا يمكن لعاقل أن ينظر إلى الحيز الداخلي ويرى شريكا لسلطاتنا عليه, سواءا كان شريكا داخليا أم خارجيا. الحيز الداخلي, لا يسمح بالاقتراب لأي كان من روح السلطة.لا بيانات المنظمات الدولية لحقوق الإنسان ولا مواقف الاتحاد الأوروبي أو تقارير لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان, كل هؤلاء وغيرهم, لا يستطيعون نقد أربابنا في لذة سلطتهم. وكلنا نردد يوميا ملايين المرات, إننا ضد التدخل الخارجي. وفق هذا المنطق عندما تستولي روح السلطة على روح الأمة ودولتها, تصبح لذة السلطة هي لذة من طبيعة شخصانية, وهذه لا تقف عند حد, يراد إشباعها دوما وأبدا, تماما كمفهوم اللذة الطبيعية. هذه اللذة الطبيعية التي خلق الله لها الكائن محدودية بحدود إمكانيات الكائن الفرد بيولوجيا و فيزيولوجيا.بينما لذة السلطة هي لذة محدودة بحدود يحددها صاحب اللذة والسلطة نفسه, لهذا تجده يوما بعد يوم يوسع من استيلائه على المجال العام, الذي يتيح له ممارسة لذة السلطة هذه. في دولة القانون يوجد حد للذة السلطة هذه, لهذا يمكننا القول بشيء من التجني القسري: أن اللذة هي حالة لا تخضع لفعل مؤسسي, بل حاولت الأديان عبر العصور أن تخضعها لحد أخلاقي, لحضور جاهزية عقابية ما, لكن في حالتنا هنا من الذي يضع الحد للذة السلطة هذه? وما الجاهزية العقابية التي يمكن أن تعاقب صاحب السلطة في حال استعملها بشكل مفرط? إنه صاحب السلطة نفسه من يضع لنفسه هذا الحد, والمفارقة أنه يضعه تبعا لاستمرار لذته في السلطة ذاتها, ويضعه بآليات تسمح لاستمرار فرديته بممارسة لذته هذه. دولة القانون تجعل من الفعل العقابي مؤسسة خارج إرادة صاحب السلطة. هذه الدولة التي يشعر كل كائن فيها بلذة الانتماء لها, ويسميها وطنا.
اللذة فعل نفسي ومزاج يتتأثر بعوامل لا عقلانية في كثير من جوانب ممارستها, وهذا خطر يواجه روح الاجتماع لدى اي أمة من الأمم. ربما يتسع المجال في هذه الفرضية البسيطة إعادة قراءة تجربة هتلر وموسوليني وصدام حسين وأي ديكتاتور شئتم. أليس هذا التأكيد اليومي من النخب العربية من أجل العمل على قيام عقد اجتماعي جديد في دول هذه الأمة سوى تأكيد على أن غياب دولة القانون هو غياب لروح هذه الأمة بشعوبها وأديانها وطوائفها وإثنياتها, واستمرارا للذة لاعقلانية لا حدود لها?
كاتب سوري
ghassanmussa@gmail.com