كتب - محمد جمعة:
يساهم المعهد العالي للفنون المسرحية في احداث حالة حراك فني يتمثل فيما يقدمه الطلاب على مدار العام من مسرحيات ضمن مقررات التمثيل والاخراج, ورغم ضعف الامكانيات المتاحة لهؤلاء الشباب غير انهم يعملون باجتهاد وكلهم عزيمة واصرار لتقديم عمل راق حتى وان شابه بعض الاخطاء الناجمة عن نقص الخبرة ولكنها تبقى اجتهادات مبشرة بمستقبل واعد لمخرجات المعهد من مخرجين وممثلين, واللافت ان الشباب يختارون دائماً نصوصا من الادب العالمي تتسم بصعوبة تنفيذها لابراز روح التحدي التي تدفعهم لتقديم الافضل.
وفي هذا السياق كنا على موعد بمسرح حمد الرجيب بالمعهد العالي مع عرض »طرطوف« احدى روائع الاديب الفرنسي موليير من اخراج الفنان الشاب حمد اشكناني وتمثيل محمد صفر الى جانب مجموعة من شباب المعهد وتحت اشراف الدكتور حسين المسلم, ونجح شباب المعهد بتقديم رؤية مختصرة لطرطوف اتسمت بايقاعها السريع وقبل التعرض للعمل بشيء من التفصيل دعونا نقف قليلا عند محطة »طرطوف« في حياة موليير الذي اثر في المسرح العربي تأثيرا كبيرا اذ كان النبع الذي اغترف منه رواد المسرح العربي الكثير من الاعمال, خاصة ان العمل احدث لدى عرضه ضجة غير مسبوقة وعكس الى حد كبير ان الكاتب الفرنسي سبق عصره بعقود, فعندما قدم مسرحيته التي انتقد من خلالها مباشرة النفاق والتستر وراء الدين وهما موجودان في كل زمان ولدى كل امة, وتم ايقاف عرضها لأن الكنيسة والسلطة وجهان لعملة واحدة وكان انتقاد رجل الدين تطاولاً على الملك.
تتلخص القصة في ان الرجل الطيب ارغون لاحظ في احدى زيارته للكنيسة عابداً نحيلاً خاشعاً يدعى »طرطوف« احضره الى بيته بغرض جلب البركة الدينية الى البيت, ولكونه رجلا مسكينا يستحق الشفقة عابدا ويفترض امانته ووفاقه فقد سجل ارغون البيت باسم العابد »طرطوف« ليزداد قربا منه ولم يكتف بذلك وانما قرر ارغون تزويج ابنته الى »طرطوف« بعدما فسخ خطبتها على شاب كانت تحبه, غير انه مع الوقت اتضح لارغون ان ما اقدم عليه كانت خطوة متهورة فقد بدأت شخصية »طرطوف« الحقيقية تتكشف وتتجلى للابناء والزوجة التي صدمت هي كذلك في ذلك العابد الناسك اذ تطاول عليها محاولا التقرب منها وعندما يكتشف الابن ما اقترفه الراهب في حق امه يحاول اقناع الاب غير المصدق لما حدث ان يطرده من المنزل فتسارع الام بمعية ابنائها الى كشف »طرطوف« بكمين صنعوه بالاتفاق مع والدهم الذي كان يرفض الشك في طرطوف المسكين حتى سمع بأذنه
ما يفضحه ويكشف حقيقته, وكان الوقت قد فات فالبيت باسمه وقام بطردهم عقاباً لأنهم اذوه وهو الرجل الصالح.
الاحداث ترصد واقعاً يتكرر في كل المجتمعات البشرية, الاشخاص الجشعون ممن يستغلون اصحاب المراكز وطرطوف نموذج فج لمن يستغل الدين لأطماعه الخاصة.
اللافت في العمل ان موليير التزم في مسرحيته بوحدة الزمان حيث لم تتعد الاحداث 24 ساعة, ووحدة المكان حيث كان منزل ارغون هو مسرح الاحداث وركز على اظهار مدى نفاق وتدليس طرطوف وسذاجة ارغون الذي يرفض تصديق ابنه واقرب الناس اليه ويطرده من المنزل لأنه حاول كشف خداع »الراهب«.
على صعيد الاخراج التزم اشكناني بالخط العام للمسرحية غير انه جعل ايقاع الاحداث سريعاً واختزل مشاهد وحوارات عدة واكتفى بالرمزية في مواضع متفرقة, وقد وفق المخرج الى حد كبير في اختيار الموسيقى ذات الطابع الغربي لتحاكي الاحداث كذلك المؤثرات الصوتية, اما الديكورات فرغم بساطتها لتواضع امكانات الطلاب غير انها ادت الغرض اذ قسم المخرج المسرح الى ثلاث مناطق في المقدمة حيث جرت غالبية الاحداث, اما اعلى المسرح وجدنا بروازاً فارغاً كان يطل منه »طرطوف« في بداية العمل امعانا في تقديس الناس لرجل الدين وقد ظل البرواز فارغاً طوال العمل تارة يمر الاب من خلفه وتارة اخرى نجد الابن يمر ولكن يظل طرطوف هو المهيمن عليه, اما اعلى المسرح من الناحية الاخرى فكانت غرفة المكتب الخاصة بالاب.
وقد صاغ المخرج اشكناني الحدث الاهم والابرز في العمل وهو تنازل ارغون لطرطوف عن المنزل بأسلوب »الفلاش باك« يشبه الى حد ما الاعمال السينمائية, فعقب اكتشاف الاب لخداع الراهب وسماعه يغازل زوجته يحاول طرده غير انه يأبى ويضحك مستهزئاً بهم جميعا ويرفض الخروج من المنزل وهنا ينتقل المخرج الى غرفة المكتب ليعرض مشهد تنازل الاب لطرطوف عن المنزل.
واستعان المخرج بمجموعة متميزة من الطلاب لتأدية الادوار لعل ابرزهم الفنان محمد صفر الذي اجاد في شخصية »طرطوف« غير ان الارتباك بدا واضحا على بعض الممثلين فتلعثم بعضهم في الحوارات الى جانب بعض الاخطاء اللغوية ولكن يبقى العمل تجربة شبابية تستحق الاشادة بها.