من وحي الناس
الكويتي لم يعد يحتمل المزيد من الفوضى الاستهلاكية ولابد من خطوة لعلاج تلك الفوضى
اقبل الصيف بشمسه اللاهبة, واعصاب الناس فيه مشدودة ومتدافعة, وفي ليالي الصيف تعود الذكريات القديمة كحلم عابر, وتستيقظ في النفس الذكريات والاحداث والحوارات والاوقات التي مرت بالفراغ او بالوجود ووجوه الاصدقاء وانت ترى في عيونهم زحف الامل, ورفض الواقع بحجم التوق للحياة والحرية والشغف بمجد الانسان, وكرامته ففي العيون حضن المشاعر والافكار والاسرار فينسج عقلك وقلبك قلقاً وارقاً مثل زخات النظر وتلسعك الاسئلة بجمراتها اللاهبة التي تكوي ذاكرتك, واعصابك وامواج افكارك في بحار الدهشة تتلعثم, وتضج في ارجائك الصرخة الحزينة لماذا المواطن يستغرق في الديون, والاقساط والقروض? وكأن المجتمع صار قطيعا من المستهلكين تحركه فوضى السوق وثقافة الاستهلاك وأوهام الثراء الوهمي المؤسس على الاعتماد على الديون وحب المباهاة وخداع النفس حتى يصبح الفرد اسير تمثيل الوجاهة الاجتماعية بالملبس والمسكن الفاره والسيارات الخيالية الثمن والعطور والساعات وكل الماركات ذات الاثمان العالية, فتتراكم على المجتمع عقلية الاستلاب وفقدان القدرة على التمييز بين الحاجات الاساسية, والمظاهر الثانوية الخداعة عبر متوالية لا نهائية من الطلبات والمنتجات التي تؤمن له التفاخر الزائف والانقياد الأعمى لوطأة الدعاية الاعلامية والاعلانية وتفننها بالصيغ التي تبرز السلعة كقيمة اجتماعية لا غنى للفرد عنها, واغراءاتها بالدفع المريح (والمهين في وقت لاحق) ويترافق هذا الاعلام والاعلان مع التسهيلات البنكية غير المبررة شركات التمويل وشركات الاستيراد والتسهيلات للربح السريع وشفط راتب موظفي الدولة التي تمثل 70 في المئة من ميزانية الدولة بعد اسبوعين على الاكثر من تسلم الراتب بل ان الامر يتعدى الاعتداء على الفرد لمراكمة الربح اللامشروع حسب مقولة مجاراة العصر باستخدام ثقافة الاستهلاك في مجتمع لم يعش المعاناة الانتاجية وثقافة العلاقات الانتاجية والوعي بها عبر المؤسسات المالية والدعائية في الوقت نفسه الذي نرى شيوع الثقافة التدميرية للمعرفة والعلم ومراقبة الكتب والآراء والحريات التعبيرية التي تثري عقل المجتمع وتنمي قدراته التوعوية والثقافية فينشرخ المجتمع وتشوه مكوناته ومنظوماته الفكرية, وطموحاته, وتفكيره المنطقي وتوعي الفرد الى النتائج الوخيمة التي تشوه العلاقات الاجتماعية بين من يملك ومن لا يملك وبلا ادنى ضوابط او نظم تحدد نسبة الاستدانة الى الدخل الفردي فتستباح كرامة الانسان في شباك الوهم الخاوية ليكون مصير الناس التشرد وراء نزعة الاستهلاك والانحراف والوقوع في قاع الجريمة السوداء فهذه الاحابيل الشيطانية والطفيلية التي تقدس الربح السريع في زمن السمسرة وانحطاط القيم وطغيانها على مفاهيم العمل المنتج والجهد والتعب والكفاءة والصدق والابداع الذي يراكم رصيده في سبيل الارتقاء بالمجتمع والمداومة على غرس المفاهيم السامية والتثقيفية التي تعطي الفرد التمييز الواعي بما هو ضروري وما هو كمالي واستهلاكي يمكن الاستغناء عنه حتى لايغيب الوعي وراء سراب الوجاهة الاجتماعية المزيفة, وضباب الثراء الوهمي التافه.
ورغم استغرابنا ودهشتنا من موقف الحكومة والسلطة التشريعية التي باتت تعزف على اوتار الغرائز الشعبية وكذلك اصحاب الاختصاص من الاساتذة الجامعيين لعدم تحركهم السريع لدراسة هذه الظاهرة السلبية القاتلة والتي ستؤدي الى خراب المجتمع وسلامه وامنه وانحداره باتجاه الجريمة بلا وعي ولا ارادة فاننا نرى ان الواجب يقتضي منا دق ناقوس الخطر الى هذا الصمت المريب تجاه كارثة بهذا الحجم وهذا الخطر واتخاذ الاجراءات والقرارات والقوانين التي يمكن عن طريقها وقف هذا الانزلاق المخيف باتجاه هاوية الاستهلاك الطفيلي وتسلط الخراب على المجتمع وإنسانية الانسان وليكن لنا وعي رغم حدة الالم فالكثيرون يعرفون هذه المأساة ولكن الصمت هو الذي يدوي ويصرخ في كل ضمير حي بأن لابد من خطوة نحو العلاج تمزق الخوف وتشق الظلام وتحرق اليأس فالانسان الكويتي ما عاد يحتمل ولا يطيق المزيد من هذه الفوضى الاستهلاكية.
كاتب كويتي