تراثيات
"لينه" محطة الحاج في الذهاب والإياب في صحراء العرب وذكرت في الكثير من المراجع
نشر الاستاذ فهد العريفي في مجلة »اليمامة« السعودية في العدد 1460 بتاريخ 21/6/1997 عن »لينه« ما نصه: »لينه.. بلدة في الشمال يشهد لها التاريخ بأنها من اقدم البلدان في الجزيرة العربية, آبارها محفورة في الصخر الصلب من بداية البئر الى الماء وعددها يصل تقريبا الى خمسين بئرا جميعها محفورة بهذه الطريقة العجيبة! ويوجد بها آثار اخرى دارسة, وهي تقع بين مدينة رفحا ومدينة حائل... ومعظم الآبار صخورها من »المرو« الابيض الصلب!
المصيبة ان بعض الاهالي قد حولوا القسم الاكبر من هذه الآبار الاثرية الى »بيارات« اكرمكم الله! لمنازلهم وحتى مقاول المستوصف »الصحي الضعيف« لم يكلف نفسه بحفر بيارة, بل حول اهم بئر من هذه الآبار الى »بيارة« انتهى.
»لينه« الموقع والقلبان (الآبار): »لينه« بلدة جميلة في شمال المملكة العربية السعودية, تميزت بآبارها العجيبة المحفورة في الصخر, ان لقلبان لينه ذكرا عاطرا في التاريخ. والقلبان: جمع قليب, وهو البئر, وهي من الفصيح باسمها ومعناها. وكلمة »قلبان« هي الشائعة عند عرب الجزيرة والخليج اليوم اكثر من كلمة »آبار«. والكلمتان »قلبان« و»آبار« فصيحتان لا غبار عليهما اطلاقا.
ماذا تقول كتب التراث عن قلبان »لينه«? اليكم نتفا من حكايا التاريخ القديم والحديث عنها:
تذكر كتب التاريخ والادب ان الخليفة هارون الرشيد (ت193 ه¯/809م) حج ومعه زوجته الصالحة زبيدة بنت جعفر بن المنصور ووزراء دولته وقضاتها, ونصب خيامه على قلبان (آبار) زرود ¯ وهي محطة من محطات درب الحاج العراقي ¯ اما ركائب الحاج التي يصل تعدادها الى خمسة آلاف جمل تقريبا فموردها مياه »لينه« القريبة من زرود, ولينه ايضا محطة مهمة على درب الحاج.
ولما غادر الحاج زرود ولينه متوجها لمكة المكرمة, تذكر الرشيد مدينته بغداد فأنشد هذين البيتين:
أقول وقد جزنا زرود عشية
وراحت مطايانا تؤم بنا نجدا
على اهل بغداد السلام فإنني
أزيد بسيري عن بلادهم بعدا
وكانت قلبان لينه وزرود على ايام هارون الرشيد ل¯ »بني بكر بن وائل« ول¯ »بني مازن«.
قال عنها ابوعبدالله ياقوت الحموي (ت 626ه¯) في كتابه »معجم البلدان«: لينه موضع في نجد كثيرة المياه وماؤها طيب.
جاء في ديوان علي بن المقرب (ت629ه¯/1232م): وفي اول القرن السادس الهجري تحالفت قبيلة ربيعة الطائية (حفيدة طي الآن قبيلة شمر الحالية) بقيادة زعمائها الثلاثة سعيد بن فضل ومانع بن حديثه ومسعود بن بريك مع قبيلة الاجود بزعامة دهمش بن سند بن اجود, واعترضوا محمل الحاج العراقي, فكلف خليفة بغداد الناصر لدين الله العباسي, محمد بن ابي الحسين احمد بن عبدالله العيوني ملك الحسا والقطيف والبحرين (الملك الخامس), لان قوافل الصحراء بوجهه (بضمانته), بتأديب قبائل طي وامر الخليفة عرب المنتفق وخفاجة بالانضمام الى الملك العيوني لمساعدته.
فالتقت هذه الجموع على مياه »لينه« ودارت بين الطرفين معركة ضارية انهزمت فيها قبيلة طي وحليفتها قبيلة الاجود. وفي مناسبة وقعة »لينه« يقول شاعر العيونيين علي بن المقرب العيوني (ت629ه¯/1232م) مادحا ابن عمه الملك محمد العيوني, هذين البيتين من قصيدة طويلة:
»أغر عيوني كأن جبينه
صحيفة سيف اخلصتها الصياقل
وفي »لينه« اردى شغاميم طي
جهارا ولون الجو بالنقع حائل«
وذكر احمد بن يحيى بن فضل الله العمري (ت 749 ه¯/1348م) في كتابه »مسالك الابصار في ممالك الامصار«: ان لينه آبار في نجد وهي مياه لقبيلة الاجود.
وذكر ابن بشر النجدي في تاريخه »عنوان المجد«: انه في سنة 1219ه¯ /1804م سار سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود (الملقب بسعود الكبير) بالجيوش العرمرمية الكثيرة قاصدا الشمال فاجتاز ببوادي الظفير وهم في الدهناء من جهة »لينه« الماء المعروف فأمرهم ان ينفروا معه غزاة فنفر معه شرذمة رئيسهم الشايوش بن عفنان بن صويط (شيخ قبيلة الظفير).
وكان سعود بن عبدالعزيز قد شرب من »لينه« ورحل منها يريد العراقي.
(ونكتفي بهذا القدر من الحادثة... لأن المقصود هو ذكر مياه لينه).
وهذا الفارس نومان بن علي الحسيني الظفيري (راعي الرقباء) الذي عاش اول حياته عند ناصر باشا بن راشد باشا السعدون (ت 1302ه¯ /1884م) ثم صار فيما بعد من رجال الشيخ بركه بن عريعر شيخ بني خالد, وبركه هذا هو صهر للباشا ناصر السعدون.
كان الفارس نومان الحسيني مع الشيخ ابن عريعر عندما اغار على عربان شمر على »لينه«, وقال بمناسبة موقعة »لينه« هذه الابيات من قصيدة طويلة مخاطبا فرسه:
يا سابقي ليلة قربنا ل¯ »لينه«
يا واهج بالصدر لو عنه تدرين
لو حط لك ذوب العسل ما تبينه
حيثك على حوض المنايا تردين
يسهج قطاتك كل شلفى سنينه
عساك منها يا جوادي تعتقين
بالامس القريب وخلال النصف الاول وبدايات النصف الثاني من القرن الماضي كلنا نتذكر كيف كانت قلبان »لينه« مقاطن لعربان البادية في الصيف والقيظ حتى يأتي موسم البراد والامطار في الخريف والشتاء فتترك العربان القطن حول القلبان (الآبار) وينتشرون في الصحراء, فيقال: ندى العرب والعرب بالمندى والجمع »منادي« والكلمات جميعها من الفصيح بأسمائها ومعانيها.
وبعد هذه اللمحات التاريخية عن ابنة التاريخ »لينه« انقذوا قلبانها التي تحولت الى بواليع لمياه القاذورات, اعيدوا لها بقايا من بهاء وسناء تاريخها التليد, لقد تردد اسمها كثيرا في اشعار اجدادنا القدامى, وتردد ايضا عند احفادهم عرب البادية الحاليين, وعندما يسأل العرب الاوائل والأواخر عن حفر قلبان (آبار) لينه في هذه الارض الصخرية (الصفا)? اجابوك: حفرها الجن... هكذا يظنون وهم معذورون في ذلك! فسبحان رب العزة والجلال الذي خلق الانسان في احسن تقويم وجعله سيد المخلوفات بعقله الراجح الحكيم ليعبده ويتفكر في خلقه.
»لينه« في »لسان العرب«:
جاء في لسان العرب لابن منظور الامام العلامة ابي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم, عن »لينه« ما يلي: ماء لبني اسد احتفره سليمان بن داود »عليهما السلام« وذلك انه كان في بعض اسفاره فشكا جنده العطش فنظر الى سبطر فوجده يضحك فقال: ما اضحكك? فقال: اضحكني ان العطش قد اضر بكم والماء تحت اقدامكم, فاحتفر لينه, حكاه ثعلب عن ابن الاعرابي. قال ابو منصور: ولينه موضع بالبادية عن يسار المصعد في طريق مكة بحذاء الهبير, ذكره زهير فقال:
»من ماء لينه لا طرقا ولا رنقا«
قال: وبها ركايا عذبة حفرت في حجر رخو, والله اعلم.
ولينه: من اللين, ضد الخشونة, واللينة كالمسورة (الموسدة) يتوسد بها او الرفادة. سميت لينة للينها ووثارتها. والليان: نعمة العيش.
واللين واحدته لينة. ونقول: رجل هين لين اي لين الجانب دمث المعشر.
باحث في التاريخ والتراث
ah-mhareb@maktoob.com