ما يجمع الآن بين فئات النموذج الكويتي رابطة الدولة او ما يقوم مقامها
كنت قد تساءلت قبل سنوات بشأن حقيقة وجود مجتمع كويتي بالمفهوم السوسيولوجي (»السياسة« 2 أبريل 2007). وبما أن المجتمع مثال للنسق الاجتماعي فإن المفهوم يقتضي شعورا نحنيا صريحا بين ما يدخل في تكوينه من فئات, مؤسسات أو أفراد, ومشاطرة لحد أدنى من القواسم المشتركة, وإيمانا بجدوى النسق وضرورة مخرجاته. ولكي يؤتي النسق أو المجتمع أكله فإن تكثيف قنوات التفاعل المباشرة بين تلك المكونات هي في النهاية تحصيل حاصل. وكنت قد دللت على سحابة من الشك تحوم حول حقيقة وجود النسق بظواهر مثل الفصل الجنسي, والقطيعة بين الفئات العمرية, والانكفاء المناطقي أو الجغرافي حتى أدرك الأمر حالة التكريس في قوالب قانون.
الآن ما حدث خلال الأشهر القليلة الماضية من فرز واصطفاف فئوي سافر لم يدع مجالا للشك في أن طرح السؤال على نطاق واسع أصبح ضرورة. فالأمر لم يعد قاصرا على بعض مظاهر يمكن تخريجها باجتهاد فقهي أو تجاوزها باعتبارات كف طيش الفتية أو تنفيساً لاي عقد أخرى, كلا فالأمر أضحى إنكارا للآخر وإدعاء مباشرا بأن ليس هناك من شعور نحني ينتظم مكونات النسق. وقد كان مما يهون في الأمر لو أن مثل ذلك ظل معتملا في الصدور, أي تحت السيطرة, والسيطرة هنا تعنى حدا أدنى في الرغبة على الإبقاء على النسق. لكن ما أثار الدهشة حقا أن مثل تلك الادعاءات أتت ولا تزال في ثنايا خطاب حي يكتسب تأييدا كامنا, حيث لم يعترض عليه أحد. وبهذا يكون النسق في الحقيقة قد فقد أساسه ومعنى وجوده. ولا يشفع لبقائه بالمناسبة أن يرى الآخر في نفسه الرشد ورجحان العقل والحرص أكثر من الغير على بقاء النسق. فالنسق شأنه شأن أي علاقة تعاقدية, تفي إرادة أحد الأطراف بجر خط البطلان عليها.
وقد تناولت أقلام غزيرة الصدمات التي تعرض لها هذا المجتمع من هذا الجانب أو ذاك طوال الأشهر الفائتة بالتحليل والتسبيب. من ذلك ما ورد في مقالة للأستاذ خليل علي حيدر التي أكد فيها: "ان تطوير العلاقات الاجتماعية مثلاً بين أبناء المناطق الحضرية والقبلية, بمن في ذلك الأسر والشباب, والتقارب بمختلف أشكاله, ليس من مسؤوليات الحكومة أو واجباتها المباشرة. فمن يقوم بها?" (»الوطن« 25 ديسمبر 2009) والحق أن رأي كاتب بهامة خليل حيدر, الذي طالما تعرض في مقالات مطولة لفكر وسياسة هذا المجتمع جدير بالتأمل ويثير الكثير من الأفكار بما يخدم الاستفاضة في مناقشة فرضية هذه الورقة.
تساؤل حيدر هنا بشأن المناط به نقل العلاقات بين أكبر فئتين من مكونات المجتمع من طور إلى آخر يكشف عن رغبة ضمنية وصادقة بتحقيق ذلك. على أن هذا التساؤل يكشف عن أكثر من استنتاج. فمفهوم تطوير العلاقات يبدو هنا استخداما مستعارا من حقل السياسة الدولية. فالتطوير هنا ينصرف إلى وحدات دولية طابعها الاستقلال والاعتماد على الذات قدر الإمكان والنظر بتشاؤم إلى نوايا الآخر والتعاون معه بحذر فيما تقصر القدرات الذاتية عن تحقيقه, وذلك بحسب مقولات أكثر المدارس رسوخا في نظرية السياسة الدولية. إذن هل يصدق على فئات المجتمع الكويتي ما يصدق على الوحدات الدولية من انكفاء وقطيعة إلا بما يفي بحاجة أو يحقق غرضا, ثم تعود العلاقة إلى سابق عهدها من تشاؤم وسوء نوايا?! لست في حاجة هنا إلى إيراد أمثلة عديدة لتلك القطيعة. على أن أكثر تلك الأمثلة جلاء هي القطيعة الجغرافية, وهي بالمناسبة أول ما يميز الوحدات السياسية ظاهريا, أي الاستقلال الجغرافي. ففي تعريفه للفئتين المتصارعتين ينعتهما حيدر بأبناء مناطق. ورغم ما لمثل هذا الفرز من قاعدة هشة, إذ ليس لمواقع السكنى الحالية أي عمق تاريخي يمكن التوحد معه, كما أن تبريرات البعد والقرب في محيط الامتداد الحضري المحدود لهذا البلد تبدو سخيفة, رغم ذلك يجري تلقف مثل هذه الجغرافيا المصطنعة وتوظيفها للنزوع نحو القطيعة. وتبدو مثل هذه النزعة على جانب كبير من الإلحاح وهو ما كشف عنه استبسال البعض قبل سنوات مضت في سلخ بعض الضواحي من محافظة الفروانية وإلحاقها بأخرى. أجل لست في حاجة إلى أن أضيف إلى ذلك مثال أمثلة أخرى, نحو ما يرويه معلمون من تنافر بين التلاميذ, أو نوعية أطراف علاقات الصداقة التي تنشأ بين الأفراد في الآونة الأخيرة, أو حتى على صعيد ارتياد الدواوين. بل قد أدرك الأمر ممثلي الأمة الذين طالما اتفقوا وافترقوا وتباينت أفضلياتهم بحسب عنوان السكن.
كان ذلك من قبيل تبسيط الفرضية ولأسانيدها ولإثرائها بالأمثلة. إذ أن القراءة المباشرة لمفهوم التطوير كما أراده حيدر يطرح إذن أسئلة أكثر إحراجا من قبيل أين كانت تلك العلاقات قبلا? وكيف أصبحت? وأهم من ذلك كيف, ومن ذا الذي قذف بها هكذا إلى الوراء? وأيهم صاحب مصلحة في نشر موجة من التشكيك بالهوية بين فئات المجتمع? وأهم من ذلك كيف يمكن لتلك النزعة نحو القطيعة أن تستقيم مع مقولات النسق الذي ينبني على خيار الدخول في علاقات متقدمة ومجدية? وحتى في ظل القبول الجدلي بمفهوم التطوير, كيف يمكن للحديث حول النسق أن يكون ممكنا في أعقاب مراحل شبه مبرمجة من الإنكار الصريح للآخر والنسف السافر للرابطة الأساسية?
تأمل ما يراه حيدر وهو أنشط مثقفي هذا البلد ومن أكثرهم رصانة يقود إلى نتيجة مؤداها أننا, إزاء ما يحدث في هذا البلد, لسنا بصدد نسق واحد كما هو في النظرية السوسيولوجية, بل أحد أشكال التعايش الذي يمكن نعته موقتاً بالنموذج الكويتي. فما دار في هذا النموذج في الأشهر القليلة الفائتة من تمزيق ذاتي وتقطيع للأوصال هي حالة نادرة في مجتمعات الوفرة, فضلا عن أن من عادة هذه كونها مفتوحة أمام القادمين من خارج النسق تمهيدا لاحتوائهم. ولا هذا الشكل أيضا بالذي يمكن فهمه بحسب مقولات دوركهايم في العضوي والآلي, ولا بحسب ما وضعه تونيز ومن بعده فيبر من ثنائية "Gemeinschaft/Gesellschaft". ولا حتى يمكن فهم فئات النسق الحالي كمجتمعات فرعية كما هي الحال في الدول متعددة الأعراق مثل بريطانيا أو التي تحوي وجودا تاريخيا للجاليات الأجنبية, كألمانيا وأتراكها. فالمجتمعات الفرعية هنا تشاطر غيرها حدا أدنى من القواسم المشتركة والقيم المؤسسة. ورغم مظاهر الإقصاء التي يمكن أن تبدر هنا وهناك بشكل أو بآخر فان أحداً لا ينازع هذه المجتمعات مكانها في المجتمع العام. ولذا فلا يجمع الآن بين فئات النموذج الكويتي سوى رابطة الدولة, أو ما يقوم مقامها, أي كما جمعت حكومة الهند البريطانية يوما بين الهندوس والمسلمين, أو كما هيأت النخبة الشيوعية من رابطة بين التشيك والسلوفاك... وذلك لأجل مسمى!
* كاتب كويتي
syrbee@msn.com