شفافيات
قرأتها "متفحتة" فضحكت التلميذات لكن التي بجانبي كانت غير البقية وسألتني: لماذا قرأتها هكذا?
ليست هذه الحكاية الطريفة التي أحكيها لكم الآن كما وعدت الذين تابعوا معي مقالات قريبة كتبتها عن التربية المدرسية, ليست هذه الحكاية لمجرد التسلية أو الطرافة, أو هي مجرد نادرة من النوادر التربوية في عالم التعليم أو عالم التربية المدرسية رغم لطافتها حقا !
في هذه الحكاية الطريفة التي بطلتها طفلة في الثاني الابتدائي أبعاد عميقة في مسألة إعدادالمناهج التربوية قادته أجيال من البحوث التربوية عالميا, وتعب في عمله ذهابا وإيابا العلماء والمفكرون والدارسون التربويون .
تعالوا تسلوا بهذه الحكاية الطريفة أولا , وستكون هذه بدايةلاستمرار الكتابة في الفكر التربوي وانطلاقة جديدة منه تارة أخرى.
أعزائي: دخلت حصة في اللغة العربية مع مدرسة متدربة من جامعة الكويت كانت تقضي فترة تدريبها مع زميلاتها الثماني اللاتي كنت أشرف عليهن في مدرسة الأندلس المشتركة للبنات, وكانت ناظرتها آنذاك مربية فاضلة متميزة جدا عن غيرها من الناظرات هي مريم الصالح; دخلت أزور هذه المتدربة التي بدت مرتبكة فهي ستدرس أمام الموجه العام للتربية الإسلامية بوزارة التربية تقول في نفسها ولم أسمع ما دار في داخلها, ولكن طريقة أدائها أنطقت مكنون قلبها تقول : يا ويلي !كيف سأدرس أمامه وأحصل على تقديره لي وأنا مجرد متدربة لا خبرة عملية لدي? تقول هذا في نفسها لأنها تحت مراقبة التقييم لأدائها , ومن أجل هذا , وهذا أعرفه مسبقا تصرفت كما يجب علي كموجه مرب , وليس جلادا , وليس مباحث يبحث عن زلات عدو كما هو حال الكثير من الموجهين المكروهين عند مدرسيهم ; كنت أعرف ما يجب أن يفعله مرب وليس منتقماً. يسمون الموجه في تونس "مفقد".
أعدت لي المتدربة كرسيا وطاولة مرتبة محترمة لأجلس عليها أمام التلميذات أثناء شرحها, وهي طالبة جامعية منقبة; فلم أجلس على تلك الطاولة قاصدا متعمدا ; بل ذهبت لأجلس بجانب تلميذة بين التلميذات, هي السبب في كتابة هذا المقال, وقد مر على الحكاية سنوات طويلة , ووجدت كرسيا فارغا تلميذته غائبة ذلك اليوم.
كانت تلك التلميذة التي جلست بجانبها وهي في الصف الثاني الابتدائي لا تملأ نصف فستان المدرسة الذي ترتديه من ضعفها وهزالها , لكنها كانت مليئة بكل معاني الطيبة والرأفة والرحمة ,بل كانت وكأنها مربية يهيئها الله للتربية مبكرا كما سترون... هل ازداد شوقكم للمتابعة?
أعزائي بدأت المدرسة المتدربةالمنقبة درسها وصوتها المتهدج لم يكن منقبا , ومن أجل أن تنساني ولا تفكر في متابعتي لها تدريسيا ولكي يزول عنها ما هي فيه, أخذت أتشاغل عنها وأتحدث بلطف مع تلميذتي الصغيرة التي بجانبي. قلت لها:يا بنية أعطني كتابك هذا, فأعطتني إياه بكل ود. فكتبت لها على كتابها بالرصاص عبارات تشجيع , فاستأنست بذلك وفرحت به فرحا , وفي لحظتها سألت المدرسة التلميذات : من تستطيع قراءة هذه العبارة ?" في حديقتنا أزهار متفتحة" فرفعت يدي والمدرسة احتارت بي : هل أسأله مع من أسأل من التلميذات? كيف أطلب منه أن يقرأ هذه العبارة? وأصريت على رفع أصبعي مع قولي: "أبلة أبلة أبلة" كبقية تلميذاتي المتحمسات للقراءة مع أن المدرسات يكبتن تلميذاتهن من قول : أبلة أبلة; زعما منهن أنها تؤدي إلى فوضى; وليس الأمر كذلك, وقد تدربت التلميذات على قول هذه الجملة من قبل هذه الحصة مرارا وتكرارا وهي عبارة صعبة عليهن في التقييم العلمي لها, فابتسمت المتدربة حين رفعت إصبعي لأجيب; وهذا يظهر حتى لو كان هناك عشرة نقابات ترتديها فوق بعضها , فقرأت العبارة بنفس الطريقة المتوقع قراءتها منهن دون تدريب; وقلت وبصوت عال ونبرة واضحة متأنية: في حديقتنا أزهار " متحفتة" قلبت الكلمات متعمدا وأنا قاصد قراءتها مقلوبة , فضحكت التلميذات بأعلى أصواتهن , ما عدا هذه التي تجلس بجانبي ! إنها ابتسمت فقط, وقالت لي : لم لا تعرف قراءتها وبشكل صحيح ?تعال وردد العبارة ورائي وبصوت منخفض .تعجبت من فعلها وسايرتها ورددت العبارة معها كما أمرتني, وأظهرت لها صعوبة في ترديدها , ثم طلبت مني هذه التلميذة أن أرفع إصبعي لأقرأها بشكل صحيح مرة أخرى ففعلت , فضحكت المتدربة وقد زال عنها الخوف والارتباك وانطلقت بالدرس, وهذا ما أريد. وافقت طالبتي المتدربة أن أقرأها مرة أخرى, فتعمدت أن أكرر الخطأ لحاجة تربوية في نفس حمود قضاها " "متحفتة" هكذا قرأتها ثانية, قرأتها مقلوبة; جعلت الحاء قبل الفاء, فعلاً صوت التلميذات بالضحك المتواصل, لكن ابنتي التي بجانبي كانت غير البقية من زميلاتها التلميذات, ولقد وجهت إلي سؤالا مضحكا للغاية فيه كل براءة الطفولة : قالت لي باستنكار واستغراب : لماذا تقرأها هكذا? ألم تدرس من قبل في المرحلة الابتدائية ? ضحكت , وقلت لها وبجد : بلى بلى درست في الابتدائي من قبل . فقالت ولم تقرأها "متحفتة" وقالت اسمعني: سأقطع لك الكلمة تقطيعا , فردد ورائي , فقلت حاضر. قالت " م "وقلت "م" وقالت "ت "وقلت ما قالت ¯ وهكذا ; فقالت : الآن ارفع إصبعك وقلها حتى لا يضحكوا عليك مرة أخرى! صعب عليها موقفي يالها من طفلة طيبة "يا بخت عيالها فيها ويالها من تربوية الله يحفظها لأهلها" طلبت من المدرسة أن أعيد قراءتها وسط ترقب التلميذات فقرأتها صحيحة فصفقت التلميذات بكل براءة أيضا ظنا منهن أني أحسنت تعلمها بعد المحاولة والخطأ....
أعزائي : هذه المدرسة التي أدربها خرجت مسرورة من حصتها, وقالت: يا دكتور; كنت قبل مرعوبة من زيارتك لي , والآن اتمنى أن تزورني في كل حصة أدرسها , وطلبت التلميذات من مدرستهن أن أزورهن مرة أخرى...
أعزائي.. كل هذا حدث في دقائق معدودة ليقول علميا أخيرا وهو ما أريد أن أقوله الآن لنستمر في الكتابة حول موضوعه ; أقول إن معدي المناهج التربوية هم غير تربويين في وزارتنا, بمعنى لا يدركون العلمية في اختيار مفردات محتوى المناهج وهذا واضح, فكلمة" زلزلة" الأرض يصعب نطقها على الأعمار من ست سنوات فما فوق , قلت "يصعب" وهي مرفوضة في معيار "الانقرائية" الذي تقول بعض بنوده : إذا تكرر الحرف الواحد في الكلمة الواحدة مرتين " صعب على الطفل قراءته.....
كثرة الصعوبات التي هي من مثل هذا النوع من الكلمات التي لم يحسن انتقاؤها من قبل معدي المناهج قد تؤدي إلى كراهية التعلم ; وهي مثل شارع مليء بالعوائق هذه المفردات الصعبة في نطقها دون تدريب لا حاجة لها, والتي من بينها "متفتحة" التي في هذا الدرس ... من يدرك هذا في وزارة التربية ? لنواصل معا مشوارا طويلا في العمل التربوي... لاتملوا... ابتسموا .. إلى اللقاء.
shfafya50@hotmail.com