بقلم - محمد زين العيدروس:
رحم الله الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان.. لقد أحدث خبر وفاته صدمة عنيفة في قلوب أبناء الامارات, بمجرد ان اذيع الخبر, واذ بالامارات شمالها وجنوبها وغربها تهرول الى منزل الفقيد بالبطين في أبوظبي.
.. لم تكن الناس مصدقة أن الموت جاء ليخطف مبارك بن محمد, فخيم الحزن على الجميع, وبكته النساء والرجال والاطفال, فما تمالكت نفسي لحظة واحدة حتى وجدتني في ابوظبي للمشاركة في الصلاة على روحه الطاهرة وحمل نعشه الى مثواه الأخير.
.. كم من جنازة لملوك وأمراء, كتاب وشعراء, أغنياء, وفقراء شاركت فيها, ولم أر في حياتي تلك القوافل البشرية التي جاءت من كل حدب وصوب والدموع تنهمر من اعينهم, لقد كانت الجنازة موكباً رهيباً ومهيباً, تسابق الجميع من أبناء الشيوخ وعامة الناس على حمل النعش, رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد قطع رحلته في الخارج, وكان على رأس المشاركين, يتقبل التعازي وهو واقفا لساعات عديدة من كافة الناس الذين توافدوا على قصر مشرف, فلقد كان مبارك بمثابة الاب للشيخ خليفة, ولقد بهرني الشيخ نهيان بن مبارك نجله الأكبر في تماسكه, لقد كان متماسكا وهو يحمل نعش والده ويتقبل التعازي من الجميع, برجولة وايمان بقضاء الله, وكان يردد دائماً .. البقاء لله.. البقاء لله!
.. ملوك وأمراء, ورؤساء دول, شعراء وفنانون, تجار وعلماء دين, أساتذة جامعات من كل مكان حضروا على التو لتقديم العزاء الى ذويه, واستمر العزاء اكثر من سبعة أيام على مدار الساعة, والناس تتدفق والحزن يعتصرهم على رحيل مبارك الذي كان يعتبر رحيما بالضعفاء, كريماً بالفقراء, وكم من بيت في الامارات الا وزاره مبارك متفقداً احوال المحتاجين, يطوف مع نهيان بسيارته صباحا وعصرا باحثا عن محتاج يقدم له يد العون والمساعدة وكانت هذه متعته الوحيدة التي كان يتلذذ بها, وتدخل الى قلبه البهجة والسرور, وكانت الناس تنظر بالاعجاب الشديد الى نجله نهيان الذي كان باراً بوالده, وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً لم يفارقه لحظة اثر الحادث الذي اضعف من حركته ونشاطه, وكان مبارك اول وزير داخلية لدولة الامارات, وكان السند للشيخ زايد, رحمه الله, فلقد بذل الكثير من المساعي والجهد لاقامة دولة الاتحاد, وقام بتكسير الحواجز الخشبية على حدود كل إمارة, واشاع الامن في الدولة, ولم يكن يقدم احداً على الاخر, الا بالقانون, وساوى بين الناس, يقف للفقير قبل الغني, حتى اصبح يمثل نموذجاً رائعاً في اصول الامن والشرطة, ولقد همس احدهم في اذني قائلاً: كل وزراء الداخلية العرب مكروهون من مواطنيهم الا هذا الرجل الذي دخل قلوب الناس بمعاملته الطيبة وأفعاله الخيرة.
.. لقد كان مبارك بن محمد النقطة المضيئة من أسرة آل نهيان, يفتح مجلسه كل يوم بعد صلاة العصر وحتى أذان المغرب, ويتوافد على مجلسه العشرات من ابناء الامارات ومن ضيوف الدولة, تجد أمامك رؤساء دول سابقين وحاليين, وعلى شمالك زعماء سياسيين من شتى البقاع, ورجال فكر على مختلف مشاربهم واتجاهاتهم, وكان مجلس مبارك هو المكان الوحيد في ابوظبي الذي يجد فيه الناس راحتهم, يتبادلون فيه الاحاديث الودية, اما موائده العامرة فحدث ولا حرج!
ومن المؤكد أن نهيان بن مبارك سوف يواصل السير على خطى والده, فالشيخ مبارك لم يمت طالما أن نهيان على صدر المجلس مستقبلاً الزوار والضيوف من كل مكان.
.. بكيت "مبارك" كما لم أبك أحداً من قبل وإلى جنة الخلد يا أبا نهيان.