من وحي الناس
مكمن الخطر في الحركة الصهيونية أنها استمدت من الوصايا العشر الدينية التي جاء بها النبي موسى
كثير من العرب لا يقرأون لهذا نفتقد نكهة الفهم وننقلب في بحث القضايا, والمعارف, والحقائق, والنظريات والسياسة والعلم والادب وسائر حقائق الكون والمجتمع الى هرطقة وثرثرة كلامية لا تستند على اي منطق ولا ثقافة, ولا معرفة بما نخوض فيه, خصوصا تلك القضايا التي تتجاوز الشخص الفرد, وتتعلق بمصير الامة والتاريخ والهوية , فأسوأ ما في البعد عن القراءة ضيق الافق, والافتقار الى لذة الفهم والتقوقع على النفس او على التحصيل الاكاديمي الذي تهيمن عليه حالة من الانعزال والتحجر في تخصصه, والتقوقع كالتاجر لا يعرف الا متجره وبيته, او المهندس لا يعرف غير الخطوط المتداخلة والزوايا والاضلاع, او المرأة لا تمضي ابعد من التفكير بالزواج والانجاب.
فمن هذا العزوف عن القراءة تغيب عنا اخطار تحاصرنا, وتهدد مستقبلنا ومستقبل اجيالنا بل ربما الى وجودنا كافة لها تاريخها وارثها الحضاري والانساني. فالكثيرون لا يعرفون ماهي الحركة الصهيونية وكيف نشأت وما خطرها! لذا وددت ان اسلط اضاءة سريعة على هذه الحركة العنصرية, ومكمن الخطر في الحركة الصهيونية انها استمدت من الوصايا العشر الدينية التي اتى بها »النبي موسى« كدين مثل بقية الاديان المسيحية, والاسلامية تعم البشرية جمعاء وليس من فضل انسان على اخر الا بقدر التمسك بها, لكنهم استخدموها بداية تمايزا وتميزا عن بقية اهل الارض, ثم استبدلوها بعجل صنعوه من ذهب والذهب سرقوه من المصريين قبل الهرب فصاروا قبائل مطرودة تلاحقها لعنة الفراعنة (انيس صايغ).
ثم تحولت هذه الوصايا بعد (35) قرنا الى حركة سياسية استعمارية في القرن التاسع عشر, قرن انبعاث القوميات الاوروبية (كالمانيا وايطاليا), وبدأت بذور التحسس السياسي تنمو في الاوساط اليهودية, وكان ابرزها جمعيات خيرية تسعى لجمع مساعدات مالية من اثرياء يهود اوروبا, وكان »تيودور هرتزل« المحامي والصحافي ابرز من تحول بالعمل الخيري الى عمل سياسي عقائدي دولي, وحتى يتمكن بالانتقال من حال الدين الى حال الامة رغم انه لا يهتم بالافكار الدينية الا بقدر ما تخدم مشروعه القومي الاستعماري, وفي مواجهة مظاهر اندماج اليهود في اوطانهم الاصلية والذي يهدد مشروعه. والقضية بالنسبة له كانت في انشاء دولة يهودية ايا كان موقعها وكان قد صوب اول الامر سهامه الى الارجنتين وهو يندمج في مشروع شركة استثمارية عالمية, وشجعه على ذلك البارون »هيرش اليهودي« وكان قد انشأ مستعمرات يهودية هناك لكن المشروع من زاويته الاقتصادية لم ينجح وفشل.
واستغل الصهيونيون تسامح سلطات الانتداب البريطاني على فلسطين منذ احتلالها 1918 حتى 1948 تنفيذا للسياسة البريطانية التي انطلقت من وعد بلفور بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين, وقد كتب »ارثر بلفور« وزير الخارجية البريطاني في مذكراته العام (1919) ان القوى الاربع الكبرى انكلترا والولايات المتحدة وفرنسا وايطاليا قد وقفت جميعا في صف الصهيونية, والصهيونية سواء كانت على صواب ام ضلال, وسواء كانت خيرا ام شرا فقد تأصلت وتجذرت عبر تقاليد قديمة, ومصالح راهنة وامال مستقبلية تفوق في اهميتها رغبات وحقوق سبع مئة الف فلسطيني عربي في فلسطين.
وجرى ما جرى من حروب بين الانظمة العربية والحركة الصهيونية بتواطؤ من حلفائها الدول الكبرى, واهم النتائج التي ترتبت على ذلك ان الفكر التنويري العربي فقد القدرة على الالتقاء مع ما ابدعته اوروبا في مجال الفكر, والفن, والثقافة والعلم, واستيعاب الجديد الذي افرزه الفكر الاوروبي من الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني والتكنولوجيا حتى صار العقل والفكر المتنور بين سندان الفكر السلفي الذي يرى الارتداد الى الماضي هو الخلاص, ومطرقة الهجمة الاستعمارية لقوى الهيمنة الاوروبية بامتدادها العسكري والسيطرةعلى المنطقة, وزرع هذا الكيان في قلب هذا العالم العربي الجنين حتى وصلنا الى الحالة التي نحن عليها من التمزق والتشرذم, والانحطاط, والخروج من حرب للدخول في حرب اقسى وأمر ومن تجلياته ما يحدث الان في لبنان وفلسطين من هجمة صهيونية اجرامية ابادية لشعب اعزل الا من الحق والايمان بعدالة قضيته.