حوارات
لابد من معادلة أخلاقية مثالية تشجع التقيد بالأساسيات والمبادئ المثالية وتشجع على التقيد بالادب
أكاديمياً أي وفقاً للدراسات الفلسفية الأخلاقية, أحد المؤشرات السلبية للتحولات الاجتماعية والاقتصادية هو تدني أهمية "المعايير الأخلاقية الرئيسة" التي من المفروض أن تتحكم بالسلوك المقبول خلال الحياة اليومية. وكغيره من المجتمعات الإنسانية الأخرى يمر مجتمعنا الكويتي خلال مسيرته الطبيعية بتحولات ونقلات نوعية بعضها أساسي وبعضها إيجابي وسلبي. ما يحزننا في هذا السياق هو الغياب التدريجي وفق رأينا, وفي بعض نواحي حياتنا اليومية, للمبادئ والأعراف والسلوكيات الكويتية التقليدية. في الماضي القريب جداً كان "الحياء" و "الأدب" و"الاحتشام" والحرص على السمعة الشخصية وغيرها من السلوكيات الأخلاقية الايجابية قد حكمت جانباً كبيراً من العلاقات الإنسانية اليومية. زيادة نسبة قلة الحياء والسلوك غير السوي لدى البعض وتدني أهمية ما يجب أن يؤخذ كمثال للتصرف السليم والأخلاق الحميدة آثارها سلبية ومدمرة على الفرد والمجتمع.
اعتناق الحياء, والتمسك بأساسيات العلاقات الاجتماعية الكويتية المقبولة ليس دليلاً على رفض التقدم والتطور, بل يشير إلى اعتزاز الفرد والمجتمع بالتقاليد الأخلاقية المتوارثة. وفي هذا السياق, فليس منطقياً وبأي شكل من الأشكال اعتبار الحرص على ممارسة الحياء والأدب و"الأتيكيت" إذا أردتم والتمسك بالمعايير الاجتماعية التاريخية على أنها ميول انهزامية نحو تقليدية رجعية. فليس من الممكن تصور أن يتطور أي مجتمع إنساني ما لم يحافظ ذلك المجتمع وغالبية عناصره على ما منحهم في السابق خصوصيتهم الاجتماعية والأخلاقية.
أضف إلى ذلك, ليس ثمة معيار قياس ثابتة يمكن من خلاله تحديد نسبة معينة تشير إلى مستوى غياب الوعي الأخلاقي الأساسي في أي مجتمع إنساني, لكن مع هذا فحين تزيد نسبة "الأنانية" في العلاقات الإنسانية, وعندما تزيد نسبة "العقوق," وتصبح "التصرفات الفجة" عنواناً رئيساً لسلوكيات البعض فهذا يشير بلا شك إلى "ارتفاع نسبة قلة الأدب والحياء" يقابلها عدم اكتراث واضح بأبسط المثل الأخلاقية العليا.
ما هو أصعب من كل ما سبق هو "الحفاظ على مشروعية المبادئ الأخلاقية المحافظة !" فليس من الممكن من الآن فصاعداً ووفق رأينا الاستمرار في "ضخ" تعليمات وإرشادات أخلاقية مثالية للجيل الجديد بشأن التقيد بالأدب والحياء, بينما يُصدم هؤلاء بما يواجهونه في الحياة اليومية! بمعنى آخر, ثمة تناقض فج وواضح-وفق رأينا أيضاً-بين ما يحرص ولي الأمر على ترسيخه في أذهان أطفاله من مبادئ أخلاقية "مثالية" وبين ما يلاحظه من تصرفات بعض قليلي الأدب وعدم اكتراث هؤلاء بأبسط المتطلبات الأخلاقية لحياة يومية معتدلة ومنطقية ومحافظة. الرهان آخر الأمر هو العثور على معادلة أخلاقية مثالية تشجع التقيد بالأساسيات والمبادئ المثالية بينما يلازمها حرص شديد على عدم التعرض لخطر وأذى قليلي الأدب والحياء, فلعل وعسى وربما !
كاتب كويتي
khaledaljenfawi@yahoo.com