من وحي الناس
ليكتب على باب الجامعة العربية .. تاريخنا العربي الحاضر بائس وينهار والنار تأكل كل أخضر عندنا
من يعرف قراءة التاريخ يرى كيف كنا نشق الطريق نحو مجتمع عربي جنين حفرنا حبه على الضلوع, وربطنا العمر , والزمان, والذكريات بآفاقه, ودروبه, ونجومه, حتى صار هذا الوطن العربي الكبير حلما يحتضن القلوب والعيون, والشهداء, والعذاب , وخطوات الأمل ... ارضه , ومياهه, وثرواته, وجراحه, هي ذاتنا, وجذورنا, عرق الأجداد, ودماؤهم, وتراتيل الأمهات, والصبايا, والفتيان, وحلمه البكر, الذي كتب بالآلام, والدماء والاسرى والشهداء, دموع الضحايا, والبطولات.
ولكن يطلع علينا رئيس الأركان الصهيوني موشى يعلون في حديث لصحيفة عبرية "إن العالم العربي لم يعد موجودا" حديث عسكري صهيوني موتور تربى كغيره في اسرائيل على عقيدة القتل والابادة, وهذا التوصيف لا يعني انه خاطئ, ولكن الخطأ في عدم اعتراف العرب بالدمار الذي اصاب انظمتهم, واوطانهم, وفشل هذه الانظمة سواء في علاقاتها مع بعضها بعضا او في علاقاتها مع شعوبها, او في الغائها لصوت هذه الشعوب وزجها في السجون لكل صوت معارض لممارساتها وحجبها الحقوق, والحرية والكرامة الانسانية, ومع الغزو العراقي للكويت اتسع الجنون, والحمق , والدمار السياسي لهذه الأنظمة والسقوط مدويا.
فهذا الحاضر المتوحش, وهذا الانحدار المريع, والتفسخ, وضياع الهوية, وتكالب الاعداء, والصهاينة على هذه الأمة بفعل التخاذل, والتشرذم, وحذف الشعوب من المعادلة في القرار, والاسهام في تحمل نتائجه, والبناء عليه, انه واقع اشبه ما يكون بأفلام الرعب, والخيال الجامح, وعالم اللامعقول. فمن يوقف كل هذا ويعيد للوطن عافيته, وقدراته , وقوته , ونهوضه, وارساء دعائم الحرية والديمقراطية فيه?
حين سئل بسمارك, صانع وحدة الدولة الالمانية في القرن التاسع عشر, كيف وحدت المانيا? اجاب :"انا لم اوحد المانيا بل ان سكك الحديد هي التي وحدتها" وهذا القول لا ينفي الروابط القومية ولا المجهود السياسي الفذ الذي ادى دوره في وحدة المانيا, ولكننا نود ان نقول لاصحاب الدعوات القطرية, والتجزئة والذين يرون في الاتحاد العربي عملا مشبوها في زمن القتل , والتمزق, والتشرذم, والعنف والارهاب, صار كل قطر صغير وشعبه يحصد نتائج هذا الخراب والصراع من قوت يومه, ومن حريته المسلوبة ومن الضياع وتكالب قوى الظلام الاصولية المتوحشة, والاعداء المتربصين به ليلقوه الى الجحيم الملعون, فمن حق شعوبنا ان تطمئن لحاضرها, ومستقبلها, وأمنها , ومن حق هذه الامة ان ترتاح من مكابدة قرون من النكبات والازمات والحروب, والمطامع والاحداث الاليمة , والاخطاء المميتة , والخطايا القاتلة, فمن منطق العقل والفكر المتعلق بان الوطن العربي واحد , ومصيره , واعداؤه كثيرون, ومتربصون سواء أكانوا من الداخل أو الخارج. نقول ان هذه الهشاشة في الأنظمة العربية, والتمزق , والابتعاد عن الشعوب يشكل خطرا داهما على كل قطر من هذه الاقطار, وان الحرية والديمقراطية والتعددية وعدم الغاء الآخر هي الاساس لصنع نظام عربي متين قابل للحياة مع عواصف التبدلات والتغيرات العالمية, وهجمة العولمة المتوحشة.فتعساً لكل الذين اسهموا في اعاقة العقل العربي, وشل حركته وعزله عن حركة الحياة, فلن يكون لهذا الوطن العربي قدرة بالعودة الى ذاته في مواجهة الذوات الاخرى الا بتخلصه من العبودية التي يفرضها الخارج, وهو نفسه يستعبد شعبه بالقمع الوحشي الذي يشوه فكر الانسان وحياته, فكل نظام لا ينهض على ارادة الشعب في مختلف اتجاهاته وفي تعدديته الدينية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية لا مصير له غير السقوط, ولا يكون فيه المجتمع الا قفصا.
وليكتب على مدخل الجامعة العربية "تاريخنا العربي الحاضر بائس وينهار والنار تحرق مقدراته واوراقه الخضراء وجماله, وثرواته فأين المفر"? والخطوة الأولى لانقاذ الوطن وشبابه هو نقد انفسنا ونقد فهمنا للعالم وممارساتنا اليومية , والصرخة في هذا الفضاء العربي هي كيف نبدأ ?! باتجاه المستقبل والابداع فيه.
كاتب كويتي *