من وحي الناس
التخلص من المنهج التعليمي المفجع ضرورة يقتضيها ما فعله السرطان الإرهابي في العالم
الطفولة براعم الورد ونوارات الشجر وبدء النيابيع والعشب الاخضر الندي البكر. اعمار, واشواق تخضل بالنوايا البريئة, والشمس الطالعة في الفجر تدفع القلب, والعقل الى النقاء, وضحكاتهم تسري في عروق الارض, يتناغم فيها الخيال بالاحساس بالافكار فترسم طيورا وسماء وبحارا وسفنا وزهورا وبيوتا وفرحا واعراسا... يدفعها الى العمر المتفتح في عذوبته. ولكن المأساة في نظامنا التعليمي الذي اصبح وسيلة شرعية يطلق العنان لتسليم عشرات الالاف من ابنائنا اطفالا وشبابا لمنهج تعليمي قاحل ومقفر والى معلمين ومعلمات جاؤوا من زحم ذلك النظام التعليمي البائس وهو في بؤسه وهشاشته وجفافه يمثل هوة سوداء ساحقة يختصر فيها الماضي, والحاضر والمستقبل على شكل معلومات قشرية, وبنكية واجترار المعارف والعلوم بطريقة الحفظ والذاكرة والاستظهار والتكرار وحشو ادمغة هؤلاء الاطفال والشباب بالقش الفائض من المعرفة, والكاسد منها لشل عقولهم وتدمير قدرتهم على التفكير المنطقي في مزاد احتكار الرأي وتسويق الاراء المدفونة منذ الاف السنين لترسم لوحة مربدة الالوان وخاوية على معلومات تتلظى بالوهم, والخوف والتحريم والمنع والتدجين والترويض تؤدي الى عدم استعمال العقل ووضعه على الرف فالادوات والصيغ الجاهزة والمحنطة والاكراه الميكانيكي يشكل عائقا خطيرا في وجه التعليم الحقيقي ويحرفه عن غاياته النبيلة ويتنافى مع الحرية الانسانية واطلاق ملكات العقل الابداعية, والابتكارية فتسود الاتكالية ويكبر العجز ويغدو التهرب من المسؤولية هو القاعدة الاسهل.
وفي ظل هذا المنهج التعليمي المشوه نرى تضخيم المسائل والمعارف ووضعها على شكل الغاز لتبرير العجز, وتحل روح التسلط ونفسية المكر والتعصب بدل نفسية الشجاعة والصراحة, وتسود روح الانهزام بدلا من روح المبادرة, وفي ظل هذا الجو المسموم يصبح التناقض بين القول والفكر هو القاعدة وتصبح عملية تسييس الدين واقحام التفسيرات المتناقضة في العملية التعليمية والتربوية لتصب في مصلحة تلك القوى الظلامية التي اختطفت التعليم من خلال سيطرة بعض جماعات خريجي "دار العلوم" على ان المراكز المهمة في وزارة التربية طيلة اربعة عقود من الزمن تبث في المناهج خصوصا والعلمية التربوية والتعليمية عموما فكرها المتمثل بممارسة الحجر والمنع والارهاب والعنف والشعوذة والحصار وهيمنة فريق من المجتمع على غيره, وسلطة الغاء الاخر وقتله حتى صارت التفسيرات والتأويلات للنص الديني صراعا يحول المجتمع سريعا الى التآكل والتفتيت والاحتراب وفساد العلاقات بين الافراد, فتفسد القيم ويتحول المجتمع الى الات يطحن بعضها بعضا وحتى اصبح رفع علم البلاد وتحيته والنشيد الوطني في بداية اليوم الدراسي له تفسيرات التحريم من قوى الظلام والردة وكان بعض المدرسين يديرون ظهورهم حتى لا يلتزموا بتحيته. فهذا الفكر الذي يتعامل مع رمز البلاد ورمز الهوية والانتماء بهذه المداورة والتمويه هو ذروة التشويق والتناقض مع قيم الجهر بالافكار وليس تحريم الرمز وتحطيم الابداع والهوية الا معنى حق البشاعة وحق الجهل وحق القتل. اذن اذا اردنا محاربة الارهاب فلابد ان نأتي عليه في بيئته التي تحتضنه وتنميه وهي الميدان الواسع حيث يزدهي اليباب والعقم في المناهج الدراسية, وكتب الصدأ والقرف والغياب والحصار العقلي ووحشية الكراهة وشراسة العداء للرأي المخالف وتقديس التاريخ بدل تحليله وتفسيره واكتشافه, ويصبح النفاق يتخطى النفاق الكلامي, انه نفاق الوجود "فالجهادية" منطقها ان هذا العالم فاسد وانه شر وانه فان والبطل في هذا الفكر المدمر هو الموت من اجل الحياة الاخرة والجنة.. هكذا تتجلى صورة المسلم في مناهجنا التعليمية وحيث الايمان بان الحياة حجاب والموت كشف وخير للانسان. ولنتخيل اصحاب هذا الفكر يصرخون بنا جميعا الحياة سجن فالى التحرر منها الى الموت باي شكل من الاشكال!
ولا يزال هذا الفكر هو المهيمن على مناهجنا التعليمية بسلوكياته التي تنتمي الى ما قبل الوعي المدني والوعي بانسانية الاسنان, وحقوقه وكرامته, ويسوغ العنف بدعوى حماية الدين او بدعوى القضاء على البدع والمروق والالحاد, وتتحول ذاكرة الاطفال والشباب الى مستودع للاوهام والاباطيل, ويتحول الحاضر والمستقبل كما تتوهمه هذه الايديولوجية المنسوجة بخيوط المحلل والمحرم سفر في ظلمات الذات المسحوقة بالشعوذة والفكر المغلق والمستبد وبالعنف المعنوي والجسدي, غسيل للادمغة ليبقى الشرطي المرابط في الرأس يمنع الفكر من التساؤل ومن تحقيق الوعي وينفي كل طرف فيه الطرف الاخر فلا تفاعل بل استقطاب وانغلاق ولا تكامل بل تنابذ وتخاصم ويبقى السؤال: اليس قتل الانسان قتلا للحياة في اسمى تجلياتها? وقتلا لقبس من روح الخالق?
فالتخلص من هذا المنهج التعليمي والتربوي الفاجع ضرورة يقتضيها ما فعله هذا السرطان الارهابي في العالم وفي عالمنا العربي والاسلامي من خراب ودمار وفواجع واستبداله بأسس ستراتيجية تعليمية وتربوية غايتها خدمة دورة الحياة منذ الطفولة والاعتراف بالاخر وبأحقيته في ان يكون مختلفا, ونعني بذلك بكل بساطة قبولا بالروح الديمقراطية والحرية, وهذا الدرس يحتاج الى قيادة تعليمية وتربوية متفهمة, ولديها ارادة التغيير وقوة صنع القرار.. فهل تفعلها الدكتورة موضي؟ نأمل ذلك.
* كاتب كويتي