Porsche
إقرأ المزيد..
  • الحمود يرفض التوزير احتجاجا على اخت...
  • دول "الخليجي" تتجه للاعتراف بـ"المج...
  • صوت البراك.. للوسمي لا للسلطان
  • قوات الأسد تدّمر حمص وشبيحته يذبحون...
الصفحة الرئيسية  خالد عبدالعزيز السعد
21/02/2010
لعبة الخيال

من وحي الناس
الاقدمون قالوا: شر البلية ما يضحك لهذا فإن غرائب واقعنا المرير تدفعنا إلى ان نلوذ بالخيال

الماضي ليس كله جرارا, وفخارا وخزفا وادوات لعبت بها عوامل التعرية, بل هو رافعة صلبة وليس عائقاً ومرتكز للقفز عنه, وليس البكاء على اطلاله, فاذا تخيلنا ان عربياً استشهد قبل قرن في حروب الاستقلال او طرد الاحتلال, وجاء عند حفيد له جالساً الى جواره يشاهد التلفزيون فأخذ ال¯ »ريموت كنترول« وصار يعبث بأصابعه بتقليب المحطات الفضائية فانه سيصيبه الاحباط لرحيله المبكر عن الدنيا, يوم كان عدد الاميين العرب اضعاف ما هم عليه الآن, وسيأسف على موته المبكر قبل ان يرى هذه التلفزيونات, والقنوات الفضائية, وحين يمعن النظر جيداً فانه سيرى شاشات فيها عرب يرقصون وتزغرد النساء وهن يلوحن بالاعلام, وعلى شاشة اخرى سيرى احتفالات صاخبة تقرع فيها الطبول وايادي ترفع اصابعها بالانتصار, واصواتاً تضج وتقرع الطبول بالفرح لهذا الانتصار وتزعق له, وعلى الشاشة الثالثة سيرى امرأة عربية لبست الزي الغربي, وتبشر الناس بعثورها على الحقيقة الناصعة فهي ارخميدس الحقيقة والحقيقة نوع من »الشامبو« او مسحوق للغسيل او معجون لنظافة الاسنان لم تصل اليه كل مصانع العالم, فاذا مضينا الى الشاشة الخامسة فان المتحدث بالصوت الجهوري والذي لا يفيد معه اغلاق التلفزيون, فهو يتحدث عن الدرع والسيف في زمن نووي وصاروخي اسرع من الصوت والضوء, ويحرص على ان تكون مخارج الحروف مشبعة كما لو انه يقف امام الخليفة العباسي او في سوق عكاظ ينتظر ان يلقى اليه بكيس الدراهم.
فهذا الشهيد الذي قدم روحه رخيصة للوطن اجزم انه لن يبقى دقيقة واحدة في بيت الحفيد, وسيلقى نفسه في قبره الصخري ينادم العصافير فوق اشجار الصفصاف او النخيل, لهذا تذكرت الطاهر الوطار في تلك الحكاية التي اصابت الناس بالقشعريرة وهي »الشهداء يعودون هذا الاسبوع« فماذا وجد الشهداء حين عادوا للحياة الا النكران والقتل من ذويهم, واقربائهم لان كل شيء كان قد تم اعداده, وترتيبه في غيابهم. فلعبة الخيال وشطحاته هي اخر ما تبقى لنا كي نتسلى بها عن واقع صار مزرياً الى حد النكد والقهر, والقرف, وصار منفلتا بلا كوابح من الضوابط والنظام والحقوق, والكرامة والاخلاقيات, والواجبات الوطنية المقدسة. انه واقع سوريالي بامتياز, وفيه من التناقض, والتضاد ما يضحك الميت في قبره, فنرى مهزومين يلوحون ويرفعون العقيرة بأناشيد الانتصار, وهم ليس لهم فيه حتى قلامة ظفر, ورقيق من مختلف الالوان, والبلدان يتم استعراضه تحت يافطات مطرزة بشعارات الحرية والانعتاق, والطامة الكبرى ترى مثقفين واكاديميين بارزين, ومعروفين, ومشهورين يحترفون تسويغ الخطايا, وتربيع الدوائر والزوايا فهم مع الله, ومع الشيطان في وقت واحد ومع الفساد وضحاياه في اقل من نصف الساعة.
ان المرء ليتساءل مع ذلك الشهيد عن هذا العالم الاسطوري الذي ولد من رحم »الستلايت« والذي يحول الرماد الى نار ذات لهب مثلما يحول الهزائم الى انتصارات, والفساد الى حدة في الذكاء, ويضيف نقطة على العار كي يصبح "غاراً".
ألم يقل الاقدمون ان شر البلية ما يضحك, لهذا فان غرائب واقعنا المرير تدفعنا الى ان نلوذ بالخيال.
* كاتب كويتي
 

ملاحظة: إن الآراء المذكورة في التعليقات تعبر عن وجهة نظر أصحابها فقط ولا تعكس بالضرورة رأي صحيفة "السياسة"
الاسم*
عنوان التعليق*
التعليق*