وقفة تأمل
توكيل المجتمع الدولة في بناء المواطنة له امتداد تاريخي يبدأ من موافقة الشعوب والمجتمعات العربية علي تأجيل مواطنيتها في سبيل قضايا الأمة
ساد الاعتقاد, ولعله لا يزال, بأن بناء المواطنة من وظائف الدولة, ويبدو أن ذلك يعود بدرجة رئيسية إلى النظرة المجتزئة لولادة الدولة الحديثة في أوروبا التي جاءت بدستور أقر مبدأ المواطنة ودورها الحقوقي والسياسي في بناء الدولة وشرعيتها, في حين لم تكن الدولة في الحقيقة يوما سببا في صناعة المواطنة وإنما اقتصر دورها في المحافظة عليها وتنظيمها, أما الصانع الحقيقي فهو المجتمع.
يمكننا القول هنا أن للمواطنة إطارا تشريعيا وآخر قيميا ولا يمكن أن يسير أحدهما من دون الآخر, فبناء منظومة تشريعية للمواطنة لا يمكنه أن يؤسس لمواطنة سليمة في ظل مجتمع يقدم انتماءاته الطائفية والقبلية على الوطنية, وفي ظل مجتمع لا يؤمن بقيمة ومعنى المساواة بينه وبين المغاير عرقا ومذهبا, وفي ظل مجتمع يعاني من اللا استقرار الاجتماعي, فالقانون لا يصنع الرغبة في المساواة أو حتى العدالة الاجتماعية والسياسية, كما أنه لا يجبر على التعايش السلمي واحترام وتقدير الآخر.
وهكذا الأمر مع الإطار القيمي, فالمجتمع المتجانس والمتعايش الذي يعي قيمة العدالة والحقوق المتساوية والمشاركة العادلة لا يمكنه أن يؤسس لمواطنة سياسية واجتماعية إلا بوجود تقنين ينظم ويحفظ هذه القيم في شكل نظام سياسي واجتماعي عام, لكن ما يجدر قوله هنا أن علاقة القيم التي هي من مختصات المجتمع والقانون الذي هو بيد الدولة هي علاقة العلة والمعلول.
فلا يمكن صناعة المواطنة إلا عندما يحمل المجتمع قيمها وروحها, ولا يمكن للدولة, أن تصنع المواطنة عبر قوانينها إذا لم يحمل المجتمع تلك القيمة والروح, لكن مع ذلك يبقى دور المجتمع والدولة متلازمين بالنسبة للمواطنة كتلازم النار والحرارة (مع بقاء العلة في النار).
بالنسبة للدولة فإن للحديث عن المواطنة شقين, الأول بنية الدولة ونظامها السياسي, والثاني رغبة وإرادة الدولة في بناء المواطنة, وأدعي, هنا أن بنية الدولة ونظامها السياسي غير قادرين أو مؤهلين لبناء مواطنة سليمة وعادلة ولايعني ذلك أنها عاجزة عن إقرار القوانين والتشريعات التي تقنن الحقوق والواجبات وغير ذلك وإنما نعني أن السعي لبناء المواطنة لن يتعدى أطره التنظيمية العامة ولا يتعدى إلى بلورة مواطنية مشاركة في الدولة وصانعة لقراراتها.
فدولنا بالعموم غير مكتملة ديمقراطيا, وهو ما يعني أن بنية نظامها السياسي لا تقر العدالة في المشاركة السياسية إن كانت تقر المشاركة بالأساس, ولا تقر الحقوق والحريات السياسية التي هي من صلب الحقوق المدنية للمواطنة لعدم اعتماد شرعية النظام على المجتمع, ولا تمنح حرية الرأي السياسي للمواطن لعدم اختصاصه بالسياسة واقتصاره على النخبة والطبقة الحاكمة.
وعدم وجود نظام مكتمل ديمقراطيا يعني من جانب آخر نظاما يسعى لتبرير شرعيته ليس عبر الشراكة السياسية العادلة (المواطنة السياسية) وإنما عبر تحالفات مع فئات وأطياف تؤمن تلك الشرعية كالقبيلة أو الدين أو الأحزاب أو عبر توازنات سياسية (محاصصة طائفية واجتماعية), ويمكن أيضا كما هو في بعض بلداننا العربية تأمين الشرعية عبر الغطاء الخارجي أي عبر التبعية السياسية والاقتصادية.
أما بالنسبة لرغبة وإرادة الدولة فيبدو واضحا أنه لم يثبت وجود مثل تلك الرغبة, لأنه ببساطة بناء مواطنة عادلة وناضجة يعني تنازل الدولة والسلطة عن مزيد من السلطات لصالح المجتمع, فبناء المواطنة السياسية يعني اقتطاع مزيد من سطوة الدولة على القرار السياسي لصالح المجتمع, كما أن المواطنة تعني زعزعة لشرعية النظم الحاكمة, فالمساواة والعدالة السياسية تعني منافسة النخبة السياسية على مراكز الدولة صعودا إلى رأسها, وأخيرا المواطنة العادلة تعني وجود المجتمع الموحد سياسيا واجتماعيا وهو ما يخيف النظم السياسية.
أما المجتمع الذي يمكننا القول أنه الوحيد الذي يمكنه أن يصنع المواطنة ويؤهل لها الأرضية عبر هضم قيم وروح المواطنة فإنه وقع في إشكالين, الأول أنه أوكل مهمة بناء المواطنة إلى الدولة, ثم فشله في بناء أرضية خصبة للثقافة المواطنية وقيمها.
توكيل المجتمع الدولة في بناء المواطنة له امتداد تاريخي يبدأ من موافقة الشعوب والمجتمعات العربية على تأجيل مواطنيتها في سبيل قضايا الأمة والصراع العربي الاسرائيلي, واستمر هذا التوكيل لكن باختلاف الأسباب, وإذا ما كانت الأسباب في الماضي لها تبريراتها وتخريجاتها فإن الأسباب اليوم لا تبرر لكونها عائدة لفشل المجتمع في بناء هويته الوطنية وإلقاء المهام في ذلك على الدولة وهو ما استغلته الأخيرة لبناء مفهوم للمواطنة يعتمد على الولاء والحقوق والواجبات المجتزئة أو اللا سياسية.
أما فشل وعجز المجتمع في بناء الأرضيات الخصبة للمواطنة فهما ما لا يحتاجان إلى ايضاح في ظل تنازع واحتراب واحتقان طائفي وانتماءات قبلية وفئوية ضيقة على حساب الانتماء الوطني العام, وفي ظل ثقافة الصراع هذه لن يكون للمواطنة من نصيب إلا الشعار أو ما تقره الدولة من معنى للمواطنة.
* كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com