بدلاً من ان تضع الاأزاب الحاكمة في العراق حلا لمشكلة الإرهاب اتجهت إلى اتهام الشحاذين بالإرهاب
من المعلوم أن ظاهرة التسول تنتشر في غالبية مدن العالم نتيجة الفقر المدقع ومن المؤسف والمؤلم انتشارها في الوقت الحاضر في العراق الذي يعد بلدا غنيا باحتياطيات النفط! وفي ظل حكومة تقاد من قبل أحزاب مدعية للإسلام وترفع شعاراته, كما ان ظاهرة التسول من الآفات الاجتماعية التي استفحلت في ظل حكم الإسلامويين للعراق بعد الاحتلال الأميركي. ومن المفجع أن تكون النسبة الأكبر من ممتهني التسول في الشوارع والطرقات هم من الأطفال والبنات صغيرات السن, ومن النساء. وهذه تشكل خسارة جسيمة للمجتمع, وإتلافا لمستقبله لان الأطفال والأحداث هم عنوان مستقبل البلد. وإهمال هذه الظاهرة يعد تجنياً على مستقبل الطفولة والبلد بالتأكيد كما يهدد بكارثة اجتماعية كبيرة وكثرت في الآونة الأخيرة الدراسات والبحوث لعدد من المختصين تطالب بانتشال المتسولين من واقعهم البائس وزجهم في المجتمع ليكونوا أعضاء نافعين فيه, وخلصت غالبية البحوث إلى نتيجة مفادها أن معظم المتسولين قد استسهلوا الأمر وامتهنوا التسول لأسباب عدة أهمها سهولة الحصول على المال من دون مشقة تذكر, وتزايد عدد المتسولين بظهور (مقاولين يعملون على تنظيم شؤون التسول) مستغلين الدوافع الشخصية كما يعملون على توفير الحماية الكافية لهم مقابل اقتسام ما يحصلون عليه من أموال من المحسنين الذين هم بصدقاتهم يجرون هؤلاء ويدفعونهم إلى مهنة التسول من دون علم ودراية منهم على أمل كسب الثواب والأجر في الدنيا وفي الآخرة.
وبدلا من أن تطبق الأحزاب الإسلامية التي تحكم العراق اليوم, الشريعة الإسلامية وإيجاد نظام تكافل اجتماعي شامل يحد من التسول, نجدها ابتكرت طريقة جديدة, ألا وهي توجيه الاتهام إلى المتسولين بالإرهاب! فهذه محافظات العراق الجنوبية الطافية على بحر من البترول قررت, القضاء على ظاهرة الشحاذين في الشوارع وفي الأماكن الأخرى, ليس لحل معاناتهم, وإنما للمساعدة في منع الهجمات الإرهابية في وقت تستعد فيه للانتخابات البرلمانية, ووفقاً لقول مسؤولين أمنيين في تلك المحافظات, التي يتوقع أن تشهد صدامات بين مختلف التيارات الإسلامية المتنافسة على كراسي السلطة, والتي يمكن أن تقود إلى "حمامات دم". وخصوصاً في مدينة البصرة التي تشهد تغلغلا إيرانيا واضحا يُراد له أن يتضاعف, مع قرب انسحاب القوات الأميركية من العراق.
وقد نقلت "رويترز" عن علي غانم المالكي, رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة البصرة قوله: "إن قرار منع الشحاذين, سينفذ خلال أيام, وهو يشمل جميع الشوارع والأزقة والأماكن العامة, وسيتطلب اعتقال الشحاذين", وأوضح رئيس اللجنة الأمنية "إن هذا القرار, لم يتأسس فقط على المخاوف من استغلال الشحاذة لتنفيذ جرائم إرهابية, إنما يعتمد على معلومات حقيقية من لجان العمليات الأمنية في المحافظة, والتي تؤكد أن هناك توقعات أن تستخدم الميليشيات المعادية بعض الشحاذين, أو عناصر يتخفون بهيئة شحاذين لإدارة عمليات إرهابية تستهدف المسؤولين أو المرشحين للانتخابات". رغم أن البصرة تعوم على بحيرات الاحتياطي النفطي السابق والحالي والمستقبلي في العراق, فإن هذه المدينة التاريخية بقيت "مدينة هرمة" تنقصها الخدمات الأساسية في كل المجالات ولاسيما الماء والكهرباء, وتعد من المدن الفقيرة التي تحملت الكثير من ضغوط الحروب وويلاتها ومن أكبر مظاهر الفقر في البصرة حشود الشحاذين عند الكثير من تقاطعات الطرق, والذين يندفعون إلى سائقي السيارات طالبين المساعدة المالية, وكثيراً ما تشاهد نساء تحمل الأطفال الوضع, وهن يستجدين الحسنة من المارة أو من سائقي السيارات! ومن جانب آخر, فإن الحالة الأمنية في العراق مازالت "ضعيفة" أو كما توصف من المراقبين بأنها "هشة" و"قابلة للانكسار" ما لم تتعزز بالمصالحة الوطنية, وبالتضييق على الهجمات الإرهابية إلى حدودها الدنيا, ولاسيما أن التفجيرات المنسقة التي جرى تنفيذها خلال الاشهر الستة الماضية ضد المباني الحكومية والفنادق, قد أسفرت عن مقتل المئات من المواطنين.
بدلا من أن تضع الأحزاب الدينية الحاكمة والمتنفذة والتي بيدها مقاليد الأمور, حلاً جذرياً لمشكلة "التسول" في الشوارع بإجراءات شاملة, إذا بها توجه تهمة الإرهاب لهؤلاء المساكين, لتزيد من بلائهم ومعاناتهم.
أكاديمي عراقي
aymenhashimi@yahoo.com