أقفلت دائرة الحجج تماما أمام حركة "حماس" ولم يعد بمقدورها الهرب من السير فورا في المصالحة الفلسطينية, بعد ان أجمع العرب على ضرورة انهاء مهزلة الانقسام العبثي الذي تقوده حركة "اختطاف غزة" خدمة لمصالح ايرانية معروفة, وكانت السبب في الكثير من الكوارث الدموية التي شهدها العالم العربي في السنوات الاخيرة, بل ان على خالد مشعل ومن لف لفه, الان واكثر من اي وقت, ان يثبتوا أنهم ما زالوا يتمتعون ببعض الحس العروبي, والنقاء الاسلامي, اذا كانوا فعلا يعملون بوحي من الشريعة الاسلامية, وينهون فصلا داميا ومكلفا كثيرا من فصول القضية الفلسطينية التي لم تمر في تاريخها بما مرت به في عصر هذه الحركة, التي قيل الكثير في الماضي عن أنها صنيعة اسرائيلية خالصة, والتي أثبتت الاحداث أنها "حصان طروادة" معروض للايجار والارتزاق.
أن تتوجه "حماس" الى المصالحة في القاهرة, وفورا, هو أولى خطوات إبراء الذمة المتوجبة عليها لتغسل عار تلوثها بالدم الفلسطيني في الاقتتال الداخلي بين أبناء الوطن الواحد, وليس انجازا لها, اذا كانت فعلا تريد لقضية شعبها ان تسلك دروب الحل, وعليها ان تثبت ايضا أنها مستعدة ان تكون شريكة في بناء الدولة الفلسطينية, وخصوصا ان هناك إجماعا عربيا على تحقيق هذه المصالحة, استجابت له دمشق حتى أن الجواب الذي تلقاه خالد مشعل في موسكو التي طرق أبوابها اخيرا مستنجدا كان مؤيداً وبقوة للإرادة العربية.
واذا كانت "حماس" لن تستطيع ان تغير الجغرافيا, وتجعل من فلسطين المتراس الايراني الاول في المناورات مع العالم أجمع, فانها ايضا لن تستطيع ان تهدر المزيد من الدم الفلسطيني في سبيل تحقيق مصالح خاصة لبعض قادتها الذين أثبتت الاحداث أنهم كانوا دائما يخدمون أرباب عمل لا تهمهم المصالح العربية او مصير الشعب المنكوب في فلسطين.
ليس لمصر اي مصلحة خاصة في المصالحة الفلسطينية- الفلسطينية التي تبذل الجهد الجبار في سبيلها, والتي تحملت ايضا الكثير من التعنت و"سحابات الصيف" المشبوهة من اجل تحقيقها, وإنما كل ذلك هو نتيجة حرص قاهرة المعز على تحقيق اعلى درجات التعاضد الفلسطيني, وذلك يعبر عن صدق الموقف التاريخي المصري من قضية العرب المركزية, وحرصها على الحقوق الفلسطينية, وكان على "حماس" ان تدرك ذلك منذ البدء لتوفر على أهلها وجماهيرها الأثمان الباهظة التي أجبرتها على دفعها طوال الفترة الماضية.
كما ان "حماس" لم تكن, في يوم من الايام حريصة على القضية حرص قيادة السلطة الوطنية, بل إنها في الاشهر الماضية كانت الاكثر إهداراً للفرص نتيجة عبثية مواقفها, لذلك عليها الان ان تذعن للحق, الذي هو في المصالحة لإنهاء بعض عذابات شعبها, ويكون مقدمة طبيعية لموقف فلسطيني موحد لمواجهة اسرائيل في استرداد الحقوق التاريخية وإقامة الدولة الفلسطينية.
لقد بات على خالد مشعل ان يدرك ان كل الحركات البهلوانية وكل ألعاب السيرك, لن تفيده, وحتى اذا ذهب الى أقاصي الارض, واستنجد ببلاد الواق واق من اجل إيجاد مبرر او تأييد لمماطلته, فلن يلقى الا الجواب ذاته عند الجميع: اذهب فورا الى القاهرة ووقع اتفاق المصالحة مع السلطة الوطنية الفلسطينية واطو صفحة سوداء من تاريخ فلسطين.
الاذعان للحق وصوت العقل ليس عارا, بل العار كل العار في هدر دماء الفلسطينيين في الخلافات الواهية والعبثية بين أبناء الشعب الواحد.
أحمد الجارالله