هل يقف الزعماء ولمدة واحدة صفاً واحداً لصد اعصار المؤامرات التي تحاك ضد لبنان؟
بينما كل الأخبار المتداولة تشير إلى تزايد احتمال اندلاع حرب شاملة, من ناحية عدم اقتصارها على اشتباكات بين لبنان وإسرائيل على الحدود اللبنانية, وتوسعها باتجاه سهل البقاع اللبناني وصولاً إلى تخوم الحدود السورية, يفاجئنا الرئيس السوري باقتراح أفكار من الممكن تصنيفها تحت عنوان البدائل لهذه الحرب المترامية الأطراف, ومنها على سبيل المثال:" حرب أهلية في لبنان".
فخلال الأسبوع الفائت وضمن حوار أجراه معه الصحافي الأميركي سيمون هيرش, ونشر في مجلة "نيويوركر", قال الرئيس السوري وفي سياق كلامه عن ضرورة إجراء إصلاحات مهمة في النظام اللبناني ما حرفيته: "إن الحرب في لبنان قد تبدأ في أيام, ولا تحتاج إلى أسابيع أو أشهر, قد تبدأ هكذا فقط. وأضاف: "لا يمكن الشعور بالاطمئنان حيال أي شيء في لبنان إلا إذا غيروا النظام بكامله".
عندما أنتخب الرئيس السوري بشار الأسد خلفاً لوالده, علقت جهات إسرائيلية كثيرة على هذا الحدث وورد على لسان بعض من زعمائها كلام من نوع أن بشار الأسد "ليس كوالده", وأنه لا يتمتع بحنكة ودهاء الرئيس الوالد. وها هو اليوم الرئيس السوري يرد الصفعة ويسخر من قادة السلطة الحالية في سياق الحوار نفسه قائلاً: "إنهم كالأطفال يتعارك بعضهم بعضاً, ويعبثون بالبلاد, لا يعلمون ماذا يفعلون. "في الحقيقة إذا كان التضارب في التصريحات والمواقف بين رئيس الوزراء نتانياهو ووزير حربه يهود باراك من ناحية, ووزير خارجيته ليبرمان من ناحية أخرى ملأ الإعلام في الآونة الأخيرة, وبغض النظر عما إذا كانت هذه المواقف تندرج ضمن سيناريو مدروس ومتفق عليه مسبقاً أو يعبر عن حقيقة وواقع تناقض واختلاف ضمن الحكومة الإسرائيلية, فالموضوع غير وارد بتاتاً بالنسبة إلى السلطة في سورية, خصوصاً إن الرئيس يتكلم عادة منفرداً في الأمور السياسية العليا. وكلامه للمجلة الأميركية كان جدياً ونشر ولم يصدر حتى الساعة عن الجهات السورية المختصة أي نفي أو تكذيب له. بمعنى آخر, الرئيس السوري عندما تكلم عن النظام القائم في لبنان, لم يقل كلاماً جزافاً أو من باب التسرع أو التهور, أو لمجرد الانتقاد,وتفوق على القادة الإسرائيليين في تركيزه على إيصال الرسالة إلى من يهمه الأمر. والأمر الملفت في توقيت هذا النوع من الكلام هو تزامنه مع تصاعد في حمى وحدة الهجمات الكلامية المتبادلة بين الطرفين والسوري والإسرائيلي, ومع تفاقم حالة النفور والتباعد المسيطرة بين إسرائيل وسورية بعد فشل مهمة جورج ميتشيل. والرئيس السوري الذي يقع تحت وطأة احتمال توسع "بيكار" الاشتباكات باتجاه الأراضي السورية هو بصدد طرح البدائل لحرب قد لا تأتي نتائجها في حال اندلاعها لمصلحة سورية نظراً الى الوضع اللوجيستي الذي سوف يتحكم بمجرى هذا النزاع, والذي قد لا يكون بالضرورة مشابهاً للوضع الذي سيطر في جنوب لبنان خلال حرب يوليو عام 2006, ومكن "حزب الله" من إلحاق الخسائر الفادحة بالجيش الإسرائيلي.
والحل البديل هو كما العادة حرب بالوساطة أو بالنيابة, أو بالساحة البديلة, وأي ساحة مهيأة وقابلة للاشتعال. وهل أفضل من الساحة اللبنانية لتأدية هذا الدور, أما وقد برهن الكيان اللبناني عن ركاكته وهشاشته وقابليته للتحول إلى حلبة صراع? ربما كان الرئيس السوري على حق. لما فتح كل الجبهات في وقت يمكن فض الخلاف والوصول إلى النتائج المطلوبة ضمن ساحة واحدة وفوق أرض واحدة محدودة الأطر حيث يتصارع الخصوم, إلى أن ينتهي الخلاف بفوز فريق ما, تصفى بعدها وعلى أساس هذا الفوز الحسابات بين الفريقين وربما حول طاولة مفاوضات لاحقة, تقيم حولها نتائج الحرب لتوظف ربما هذه المرة ضمن عملية سلام شاملة.
ولكن الجدير بالذكر هو أن هذا الأسلوب في تحويل لبنان إلى حلبة صراع لفض خلافات لا تعنيه مباشرة ليس بالأمر الجديد, ولطالما اعتمدته إسرائيل في سياق تصفية نزاعاتها مع سورية. والرئيس السوري اليوم وأمام حدة تصاعد اللهجة بينه وبين الإسرائيليين ليس سوى بصدد تذكيرهم بالنمطية المعهودة بينهما لفض الخلافات. وتاريخ لبنان الحديث ومنذ عام 1948 حافل بنماذج لحروب أهلية جرت على أرضه, وكانت حروباً بالواسطة, ما حمل بعض الكتاب السياسيين المخضرمين في لبنان ومنهم غسان تويني على إصدار كتاب يتناول الحرب الأهلية في لبنان والتي امتدت لنحو الثلاثة عقود تحت عنوان "حرب الآخرين على أرض لبنان".
"قد لا تأخذ (أي اشتعال الفتنة) أكثر من يومين وهي ليست بحاجة لأشهر". قد يكون الرئيس السوري على حق في تقييمه للوضع الحالي. وما رأيناه من أحداث في الآونة الأخيرة في لبنان عمل على توتير الأجواء بين مختلف مكونات الشعب اللبناني وطوائفه, ولم يكن اشتعال فتيل الانفجار مستبعداً نسبة إلى فوضى السلاح المنتشرة على الأراضي اللبنانية, حيث أن لبنان بات مجموعة دكاكين وأحياء مفروزة طائفياً ومذهبياً ومسلحة حتى التخمة. وليس مستبعداً أن يشكل تكرار عمليات خبيثة من نوع قنبلة يرميها ولد مدفوع على باب التبانة في طرابلس, وفي منطقة شديدة الحساسية من الناحية المذهبية, أو من نوع رواية غريبة عجيبة عن شيخ يخطف نفسه ويحلق شعر رأسه ولحيته, ليس مستبعداً من أن يشكل هذا التكرار وتراكم الاحداث من هذا الطابع أو وربما بأشكال أخرى وسيلة لإشعال الفتنة مجدداً في لبنان.
هذا وما زال الزعماء الأشاوس في لبنان يصرون على استعمال التعابير الرنانة الطنانة من نوع "لا عودة للحرب الأهلية في لبنان", وزمان التقاتل المذهبي والطائفي لن يعود, ولا عودة لعقارب الساعة إلى الوراء" وإلى ما هنالك. فهل يظهرون براعتهم اليوم ويعملون سويا متخطين حزازاتهم ومصالحهم وحسابات "الجبنة والكعكة", للوقوف سوياً بوجه الإعصار الذي بدأ يطل برأسه, ولو مرة واحدة في تاريخهم? وهل بإمكانهم النزول سوياً إلى ساحة الشهداء, أما والمناسبة سانحة لذلك, مناسبة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري, ليجددوا قرب الضريح وقوفهم متضامنين ومتكافلين لصد المؤامرات التي ما زالت تستهدف هذا البلد الصغير وهذا الشعب المغلوب على أمره.لأنه في الحالة المقابلة سوف تسقط الصاعقة على رؤوس الجميع من دون تفرقة ومن دون استثناء, وتصيب الجميع من دون التمييز بين مسلم ومسيحي أوسني أو شيعي. ويدفع الجميع ثمن غبائهم مرة أخرى.
كاتبة سياسية لبنانية
e.mail:maha.aoun@hotmail.com