وقفة تأمل
الخروج من نفق المواطنة الناقصة لايكون بالوقوف عند ابواب العلماء والفقهاء ليقروا مقاصد جديدة للشريعة
يعتبر البعض أن أهون مراتب وأنواع التكفير هو السياسي ليس بسبب ما يترتب عليه من نتائج وإنما لأنه بات لغة دارجة في الخطاب السياسي المحتقن, فالمجتمعات التي تعيش على صفيح الطائفية الساخن تعد أبسط درجات العنف وهو العنف الخطابي والتكفير السياسي, بيد أن في ذلك تبسيطا في النتائج المترتبة عليه ومنها ولادة مواطنة منقوصة.
التكفير السياسي يعد وجها آخر للتكفير الديني والطائفي, فالأخير يخرج الآخر من الدين والملة والأول يخرجه من الوطن والوطنية, ولعل التكفير السياسي يتبلور بصورة واضحة وصريحة في الدول التي لديها بعض الحريات السياسية ولديها مؤسسات ممقرطة أو في الدول الدينية الثيوقراطية التي يستقوي فيها طرف على آخر,أما مفردات هذا التكفير فتبدو واضحة في الخطاب السياسي اليوم لأطراف التنازع, فشق الوحدة الوطنية ,الولاء للخارج, التشكيك في الانتماء والولاء, إشعال الفتنة المذهبية والخيانة الوطنية هي أبرز مفرداتها.
يمكننا اعتبار التكفير السياسي أهون وأبسط أنواع العنف السياسي إذا ما أردنا قياس العنف في مجتمع ما, لكن إذا ما أردنا قياس حالة المواطنة وبناء الدولة فإن التكفير السياسي يعد اسوأ إفرازات التشقق الاجتماعي والوطني, حيث أنه يعني عدم الاعتراف بالشريك السياسي للتغاير في المذهب والدين وليس بسبب العمالة أو الخيانة وإنما لمجرد الاستفزازات والمهاترات الناتجة من الاختلاف العقدي والكلامي.
وفي مشهد مغرق بمفردات التكفير السياسي فإن أفضل مواطنة يمكن أن تولد هي مواطنة منقوصة أو مواطنة الهدنة, فالمواطنة في ظل هذه الأجواء ليست مواطنة الاندماج والشراكة وبناء الدولة وإنما مواطنة اللا شتم واللا تعرض واللا اتهام, لذلك فهي أشبه ما تكون بمواطنة الهدنة فلا اتهام إذا تعفف الطرف الآخر عن الاتهام, ولا تشكيك بالانتماء إذا لم يشكك الطرف الآخر.
فالمجتمع المحتقن والمضطرب يخلق استقراراً هشاً منقوصاً ومشوهاً وهو كذلك يخلق مواطنة هشة ومنقوصة, والأجواء التي يولد فيها خطاب التكفير السياسي هي بلا شك أجواء محتقنة ومضطربة, وفي مثل هذه الأجواء لا يمكن أن تتكامل المواطنة فيها.
هذه المواطنة المنقوصة التي يبدو أنها الصفة الطاغية في المواطنة العربية عموما والخليجية خصوصا هي مواطنة قلقة غير مطمئنة,فأقل الأحداث وأبسط المهاترات ترجع عقارب الساعة للوراء ليكشر التكفير السياسي عن أنيابه ويخرج كل طرف الآخر من الوطن بل تخرج كل جماعة أخرى من الوطن حتى وإن اشتركت أحيانا في المذهب نفسه!
وهي مواطنة عاجزة لأن أبعد ما تقوم به لملمة نفسها واحتواء مفردات كفرها السياسي, فأقصى جهدها يقتصر على ذلك بل إن ذلك يعد إنجازا من وجهة نظر أصحابها, فعدم إثارة القلائل يعني أن المواطنة في أوج أنموذجها وأفضل حالاتها, لهذا فالمواطنة المنقوصة عاجزة عن تحقيق اي مكاسب ديمقراطية للمواطنة بل تحجيم تلك المكاسب عبر سحب الدولة لبعض المكاسب والحريات التي لا تستحقها المواطنة المنقوصة, فتقييد حريات الصحافة بسبب انتشار مفردات التكفير السياسي على صفحاتها وعدم وجود مواطنة مسؤولة تتعفف عن تلك الاتهامات أحد وسائل الدولة لتحجيم تكامل وتطور المواطنة.
لا نجانب الصواب إن قلنا أن المواطنة المنقوصة هي مواطنة موقتة أو مواطنة المرحلة الانتقالية فإما أن يغيب الاحتقان وتخمد نار التكفير السياسي في رماد مشاريع الوحدة الوطنية والإصلاح السياسي المشترك وإما أن تكون هذه المواطنة المنقوصة مقدمة لتبلور هويات ضائعة تقتات من العنف السياسي والجسدي.
لكل ذلك نقول أن مشاريع التهدئة وضبط النفس والاستجابة لرغبات القيادة السياسية وبيانات التضامن وشعارات الوحدة كل ذلك ما هو إلا مشاريع هدنة تولد باستمرارها مواطنة مع وقف التنفيذ أو مواطنة منقوصة موقتة, مواطنة ترفع شعار الشراكة والتضامن والسلم الأهلي والاجتماعي من باب المصلحة أو المراوغة أو التضليل أو متطلبات المرحلة.
إن الخروج من هذه المواطنة المنقوصة لا يكون إلا من خلال الخروج من نفق التكفير السياسي ومنطق نفي الآخر بسبب الدين والمذهب, وهذا الأخير لا يكون عبر الوقوف عند أبواب العلماء والفقهاء ليقروا مقاصد جديدة للشريعة وإنما عبر مشاريع اصلاحية سياسية مشتركة تندمج عبرها الأطياف والمذاهب لتكون بمثابة تأسيس عقد اجتماعي سياسي جديد بين المجتمع والتنمية.
كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com