الصفحة الرئيسية  الافتتاحية
07/02/2010
منطق طهران الصدَّامي

تنطبق مقولة الولد الأرعن المشاغب على السياسة الإيرانية بما يثير الريبة منها, ليس فقط في ما يتعلق بإدارتها لبعض أدوات التخريب المتطرفة, بل في مجمل مواقفها, وأكثرها غرابة تلك المتعلقة بالملف النووي الذي فيه سقطت كل الحجج التي تسوقها طهران للمماطلة والتسويف في محاولة لكسب الوقت حتى تصل إلى أهدافها التي لا يعلمها الا شياطين طهران, ومن دون ان تقدم ما يوحي بجديتها في معالجة هذه المعضلة وإخراج المنطقة من دائرة القلق, وهي بذلك تشكل مصدر تهديد للمنطقة والعالم, بعد أن ملَّ المجتمع الدولي من الأعذار والمواقف المتناقضة التي يطلقها المسؤولون الإيرانيون عند كل استحقاق في هذا الملف.
يومياً تمارس الآلة العسكرية الإيرانية العربدة, أكان ذلك عبر تجارب الصواريخ أو غيرها من الأسلحة والمناورات الضخمة, وهي في الجوهر تهديدات للدول المجاورة التي من حقها أن تتحسب لكل ما يمكن أن يهدد أمنها, وفي المقابل فإن طهران, التي تحاول أن تدخل المنطقة في عصر الظلامية ومعاداة حركة العصر, ترفض أي انتقاد أو مخاوف تبديها هذه الدول, بل إنها لا تتوانى في إعلان اعتراضها على كل شاردة وواردة, ومن الأمثلة المضحكة - المبكية في آن, أن طهران أبدت امتعاضها من نشر منظومة دفاعية في بعض دول الخليج العربية تحسباً لأي طارئ, في الوقت الذي أعلنت فيه أن تلك المنظومة لا تشكل تهديداً لها, وتعرف كيف تعطلها, فإذا كان الأمر على هذا النحو لماذا أبدت اعتراضها? أوليس في هذا التناقض ما يثير الريبة, ويجعل دول الخليج العربية في حال من القلق الدائم نتيجة تلك الممارسات?
وهل يغيب عن بال المسؤولين الإيرانيين أن الأعراف الدولية تقر حق أي دولة تشعر بالتهديد مما يجري في دولة مجاورة أن تعلن مخاوفها من ذلك وتطالب بتفسيرات وتطمينات واضحة? بينما الغطرسة الإيرانية ترفض أي اعتراض من قريب أو بعيد على بناء مفاعلات نووية قريباً من حدود تلك الدول, وتشكل خطراً وجودياً وبيئياً عليها. فما يكاد أي مسؤول خليجي, أو حتى غير مسؤول, يعلق على هذا الأمر حتى تنبري الآلة الصوتية الإيرانية بأقصى سرعتها لإطلاق تهديداتها وانتقاداتها لتلك المخاوف, في الوقت الذي تنام فيه أجهزة إعلامها على تهديد وتصحو على آخر حتى باتت المنطقة برمتها أسيرة المخاوف من أي عمل أرعن تقدم عليه إيران ويؤدي إلى كوارث نووية لا قبل لا لإيران ولا للعالم أجمع على تحملها, ولا سيما أن الأمثلة على تلك الكوارث - التي بعضها كان نتيجة حوادث طارئة- لاتزال ماثلة في الأذهان ولا يزال العالم يدفع ثمنها.
والموقف الإيراني الحالي يذكرنا بالمواقف التي كان يعلنها صدام حسين, خصوصا في ما يتعلق بإحراق نصف اسرائيل ب¯"الكيماوي المزدوج" ورأينا كيف أن هذا السفاح انتهى مصيره إلى حبل المشنقة وتكشفت الحقيقة عن دولة أشبه بمزرعة من مزارع القرن التاسع العشر, رغم أن العراق رابع دولة في العالم من حيث امتلاكه أكبر الاحتياطات النفطية. والآن ها هي الجوقة الإيرانية تردد المعزوفة ذاتها, وتمارس مناورات سياسية ليست بريئة وتنم عن كوارث يجري التحضير لها من دون أي إحساس بالمسؤولية الإنسانية بالحد الادنى.
مما لا شك فيه أن الأطماع الامبراطورية هي التي تتحكم بالسلوك السياسي لنظام طهران, ما يعني إثارة الكثير من المخاوف, ليس فقط عن طريق دعم بعض الحركات المتطرفة على اختلاف تلاوينها وإنما أيضا في الملف النووي وحقيقة النوايا التي تخفيها القيادة الإيرانية في هذا الشأن, لأن التسويف والتدليس والمماطلة توحي فعلا بأن إيران لا تريد مفاعلاً سلمياً, بل هي تطمح إلى إنتاج أسلحة نووية لتتحول إلى مستعمر جديد للمنطقة, وهذا الأمر لن يكون متيسراً لها لأن الظروف الدولية الحالية مختلفة عما كانت عليها في القرون الماضية, والتي يبدو أن الذهنية السياسية لنظام الملالي لاتزال تعيش فيها, ولذلك أصبح المجتمع الدولي برمته مطالباً أكثر من أي وقت مضى بوقف الرعونة الإيرانية عند حدها وإعادتها إلى الرشد, وخصوصاً في ظل إشارات واضحة عن بدء سباق تسلح نووي في المنطقة, لن تقتصر كلفته على الجوانب الاقتصادية فقط, بل ستصل إلى كل جوانب الحياة, ما يعني إغراق المنطقة في مستنقع من الفوضى وردود الفعل التي لا يمكن لأحد التنبؤ إلى أين ستنتهي.
أحمد الجارالله

الاسم*
البريد الاليكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
رمز الحماية
أدخل رمز الحماية