محمد ناجي (جدو) شاب من شباب الاسكندرية في مصر تحول بين يوم وليلة إلى أشهر شخصية في مصر والقارة الافريقية... ظهر اسمه كالبرق الخاطف, وخرج ثمانون مليون مصري يهتفون باسمه... والولد جدو لم يفعل شيئا عظيما, غير انه نزل الى الملعب في الدقائق القليلة الأخيرة وأحرز هدفا تاريخيا في مرمى "غانا"... وتسبب هذا الهدف بفوز المنتخب المصري وحصل على كأس القارة الافريقية, وهكذا تحولت أقدام جدو الى مصدر سعادة الملايين من ابناء مصر المتشوقين للفوز بعد أحداث أم درمان!
تحول جدو وهو في ريعان الشباب الى بطل في عيون المصريين, الذين لم يسمعوا به من قبل ولم يشاهدوا له اي اعمال باهرة فقط شاهدوا احدى قدميه وهي تركل الكرة لتدخل مرمى الفريق الخصم في لحظة حرجة غير متوقعة!
وجمهور الكرة المصرية, جمهور عجيب, يتمتع بحماس شديد, ويندفع بقوة لمناصرة فريقه القومي, لا يوازي هذا الجمهور في عشقه للكرة الا الجمهور البرازيلي, فالجمهور المصري متعته الكرة الى درجة انه يقدس اللاعبين بدرجة مبالغة, ويترقب من خلالهم او بعبارة دقيقة من خلال "اقدامهم" الاهداف التي تجعلهم دائما في المقدمة, وهكذا اصبحت اقدام اللاعبين المصريين مصدر سعادة وفرحة في كل بيت مصري!
ومن حق الفضائيات المصرية, ان تنشغل على مدى ثلاثة ايام بلياليها بهذا الفوز الكبير, فقد تبارى مقدمو البرامج الرياضية في تقديم افضل ما لديهم لنقل الحدث, واسعاد المشاهدين بالكلمة والصورة, ولكن توقفت عند احدى الفضائيات المصرية وكانت هي الوحيدة التي خرجت تغرد خارج السرب, فبدلا من ان تجاري بقية الفضائيات حول الحدث الذي هز وجدان الشعب المصري, ذهبت هذه القناة الى استضافة الدكتور أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل, في حديث علمي وثقافي وفكري في غاية الأهمية, ولكنها كانت في واد وبقية الفضائيات في واد آخر... فمعظم الجماهير المصرية لا تعرف من هو أحمد زويل, ولا تملك معلومات عن اهمية وقيمة الجائزة العالمية "نوبل", هناك قلة قليلة من الشريحة العلمية والثقافية تعرف هذا العالم العربي الذي نال جائزة عالمية في مجال الطبيعة والفيزياء... فالناس تعرف جدو اكثر من زويل والعقاد وطه حسين, ولو سألت طالبا في احدى الجامعات المصرية عن مؤلف كتاب "الأيام" أو مؤلف "العبقريات" أو مؤلف كتاب "معالم الطريق" لكانت الاجابة لا نعرفه, ولكن لو سألت عددا من الطلاب والطالبات ايضا عن جدو لأجابوا بالتفاصيل المملة عن حياته ومسقط رأسه!
وقد عرف عن مصر, انها حبلى بالاحداث, ولكنها ام ولادة, قدمت للعالم المئات من اشهر العباقرة والمفكرين, اسماء لامعة مثل: طلعت حرب ومحمد عبده وجمال الدين الافغاني, وسعد زغلول, وعلي مبارك, ورفاعة الطهطاوي, والباقوري وشلتوت وام كلثوم وسيد درويش, والقائمة طويلة جدا ولكنها اسماء نامت في ذاكرة الجمهور المصري, رغم انها خالدة في قلوب الملايين من البشر, وشيء مؤسف ان هذا الجيل يختزن في ذاكرته اسماء مثل جدو, ابوتريكة, عصام الحضري, عادل امام وروبي وغيرها!
ومثلما تغنى الشعراء والكتاب في حب مصر العظيمة, وقالوا الكثير عن معجزة الاهرامات, والنيل, والسد العالي ظهر اخيرا شعراء من نوع جديد يمجدون في كلماتهم اقدام اللاعبين, لانها هي المصدر الوحيد لجلب السعادة للمصريين, والولد جدو تحول هو الاخر الى انشودة وطنية, رددتها الملايين: "إن عايز تهدو... هات له جدو"!
وأمام هذه العبارة, سقط بيت الشعر العظيم الذي يتحدث عن مصر: "انا ان قدر الاله مماتي لن تجد الشرق يرفع الرأس بعدي"... ورحمة الله على حافظ ابراهيم!
وفي كل الاحوال فلقد شعرت بالفرحة لحصول المنتخب المصري على كأس البطولة الافريقية, فالأولاد السمر الجدعان الشجعان عملوها واستحقوا هذا الفوز بل كان مكانهم الطبيعي في المونديال بجنوب افريقيا بعد أشهر.
ولكن يكفينا هذا الفوز الذي أدخل الفرحة في قلوب الجماهير المصرية... وصدق من قال ان مصر هي أم الدنيا, وكذب من قال انها "مراة" أبويا!!