لقد صرفت الحكومات العراقية المتعاقبة على شركات الحراسة لحماية الأميركيين فلماذا لا تحمي الأطباء والعلماء؟
لعل من أبرز المحن التي تعرَّضَ ويتعرض لها العراقيون في ظل الاحتلالين الأميركي والإيراني, هي المساعي المحمومة من أطراف عديدة, لإفراغ العراق من علمائه وأكاديمييه وخصوصاً الأطباء, من خلال الاغتيال والتصفيات وتعرضهم لجرائم الخطف والابتزاز على يد الجماعات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة والميليشيات الطائفية, فضلا عن الاغتيال والقتل والتصفيات الجسدية, وهو ما أدى إلى هروب وهجرة عشرات الالاف من العلماء والأكاديميين والخبراء والباحثين وذوي الخبرات والمهارات إلى خارج العراق, واضطر آخرون إلى البقاء داخل الوطن رغم تعرضهم للجرائم المستمرة والاعتداءات المتكررة, مواصلين تقديم الخدمات الطبية لأبناء شعبهم في أحلك الظروف الأمنية وأقساها, ووسط تقصير حكومي واضح في تأمين الحماية للأطباء وغيرهم من الكفاءات العراقية التي يحتاجها الوطن. وتشير الإحصاءات إلى هجرة نحو عشرة آلاف طبيب عراقي من مختلف التخصصات, واغتيال نحو 400 اخرين داخل العراق, كما تعرض الأطباء المتبقون في العراق إلى ظاهرة الاعتداء المتكرر عليهم داخل المستشفيات الحكومية من أفراد الحرس الوطني والأجهزة الأمنية الحكومية لمختلف الأسباب, كما برزت ظاهرة, أكدتها نقابة الأطباء, وهي ملاحقة الأطباء عشائريا بدعاوى الفصل العشائري عن حوادث وفيات لمرضى لم يفلح العلاج الطبي معهم, فتتم ملاحقة الطبيب المُعالِج لكي يدفع الفصل العشائري لعشيرة المتوفى!! من دون أن تتدخل الحكومة لاتخاذ الإجراءات القانونية ضد المعتدين والمُبتزين أو توفر الأجواء لعودة من يرغب العودة للوطن.
آخر ما تفتقت عنه ذهنية الحكومة المالكية الجبارة صاحبة الإدعاءات الفارغة بإنجازات وهمية, هو تقديم مشروع قانون يناقشه مجلس النواب العراقي لحماية الأطباء والكوادر الطبية والذي يجيز لهؤلاء "حمل السلاح" للدفاع عن أنفسهم (!!!) مع تزايد عمليات القتل والاختطاف والسيارات المفخخة وتصفية الحسابات خلال المدة الأخيرة ولا سيما في العاصمة العراقية وغيرها من مدن العراق الجريح . فقد صرح الناطق الجهبذ باسم حكومة المالكي علي الدباغ بأن "المشروع يعد بادرة لتشجيع الكوادر الطبية المهاجرة للعودة إلى العراق". وقال الدباغ ان "مجلس الوزراء قرر الموافقة على مشروع قانون حماية الأطباء وإحالته إلى مجلس النواب للمصادقة عليه". ووصف "القرار بأنه التفاتة من الحكومة العراقية للأطباء والأطباء الاختصاصيين بضرورة حمايتهم من الاعتداءات والمطالبات العشائرية نتيجة أعمالهم الطبية".
من حقنا ان نتساءل ببراءة: هل إن توزيع قطع السلاح على الأطباء المساكين سوف يحميهم من الاعتداءات? أم يورطهم في أخطاء وجرائم? وهل أن السلاح سوف يغري الأطباء المهاجرين للعودة الى العراق طمعا بقطعة كلاشينكوف او مسدس? ولماذا لا تؤمن الحكومة عبر حرسها الوطني وأجهزتها الأمنية المليونية ومخابراتها واستخباراتها الحماية الكافية للأطباء من دون الحاجة لتوريطهم بحمل السلاح? ومن يضمن حسن استخدام الاطباء للسلاح? ولماذا لم تعلن الجهات الأمنية المسؤولة في حكومة المالكي عن اكتشاف اي جريمة من جرائم الاغتيال والاختطاف التي تعرض لها الأطباء والعلماء العراقيون منذ الغزو وحتى الآن والتي قيدت في سجلات الشرطة "ضد مجهول" وأن يُطمْئِنوا الناس بأن عقاب القضاء العادل قد طال من تطاول على عالم أو طبيب أو أستاذ جامعي?
إن الإجراءات الغريبة العجيبة التي تضمنها قانون حماية الأطباء والتي نراها معالجة "غريبة ومبتسرة وخطيرة على الطبيب المسكين قبل غيره" وهي إن نفذت حقا ستزيد من هموم ومعاناة الأطباء وتعرضهم للمخاطر أكثر مما تنقذهم من إرهاب القوى الشريرة التي تتقصد تفريغ العراق من علمائه! فهل يمكن أن نعتبر هذا الحل العجيب هو آخر ما توصلت إليه قريحة المسؤولين في حكومة "نصف ردن" منزوعة الصلاحيات لا تعرف سوى الإجراءات الترقيعية? وهل هكذا تحل الأمور في عراقنا المبتلى? وهل يترك أمر حماية الطبيب إلى الطبيب المسكين نفسه برشاشة مستهلكة من مخلفات سوق "مريدي"? أو مسدس "نصف ردن" قد لا يحسن استخدامهما أو التصويب بهما فتكون النتائج كارثية على الطبيب, وعلى المجتمع? لقد صرفت قوات الاحتلال والحكومات المتعاقبة ملايين الدولارات على شركات الحماية الأمنية لتحمي المسؤولين الأميركيين وعملائهم من العراقيين, فلماذا لا تحمي الطبيب والعالم والأكاديمي والمهندس العراقي?
كاتب عراقي
aymenhashimi@yahoo.com