Porsche
إقرأ المزيد..
  • مجموعات تابعة لوهاب و"القومي" تقاتل...
  • دول "الخليجي" تدشن سلسلة الإجراءات ...
  • دمشق تضع ثلاثة شروط للإفراج عن 49 ض...
  • لافروف للأسد: أنتم تتحملون مسؤوليات...
الصفحة الرئيسية  خالد عبدالعزيز السعد
28/01/2010
حين يوضع العقل على الرف

من وحي الناس
في المسرحيات العبثية التي نعيشها تختلق الأصولية واقعاً يناسبها على المقياس بالعودة إلى الماضي وتمجيده

سيدة الندى, وعصافير الوعد, ونوارس البحر, والحلم الذي يتهدج في اعماقي, اقبل وجنتيك فتتوالد في قلبي النار, ودموع شفافة تزهر جرحاً في الاعماق, سرقني اتقاد الحب, ولم يترك لي وقتاً لاجمع الندى, والزهور, والعطور, والرغبات, ومفاصل عمري لأقدمها اليك, كنت متعباً من شغفي بالدفء ومن شوقي الى الايغال في عمق تفاصيلك. كنت خائفاً من شدة الحب, ومن كمية الحزن التي اعرفها وتعرفني, وانت نافورة حب, وحنان, وكنت لي بحر أمان.
سألتني من يسد الطريق امام شمس الصبح ان تصل الى كل الجهات?, ومن ذا الذي يجرنا بوهن السكينة والموات? من يوقظ البحر الذي غرقت فيه كل شموس الفرح والضحكة الحرة, والجمال والابداع, والارتقاء والنهوض في عالم العواصف والمتغيرات? ومن يفتح كل حقائب الخراب والفساد في فضاء الوطن? أهذه البلاد هي التي بناها الآباء والأجداد بالالام, والاسفار, ونوافير الدماء في خياشيم سمك القرش ايام الغوص على اللؤلؤ في اعماق البحار? اي جيل انتم? تنامون في صحارى التخلف, والعنف, والتعصب, والارهاب, أي جيل انتم تحلمون ان تكونوا عصافير الفرح والابداع والحرية فتصطادكم شباك قوى الظلام, والبلاهة والضجيج, وقتل الحياة? ويخنقون شباب الوطن, واعمارهم بحبال الخرافة, والشعوذة باسم الدين الذي لا يعرفون منه الا القشور, وهذه القوى تتكاثر مثل البعوض الذي لا يفقس بيضه الا في البرك والمستنقعات الآسنة والكهوف الرطبة وكل فرقة او حزب يلعن ويكفر الآخر, ويريدون خنق المجتمع, والوطن, والحقائق تحت دعاوى باطلة مثلما ادعى »حزب التحرير« بتطبيق الشريعة الاسلامية في الكويت وانه يكافح من أجل اقامة الخلافة الاسلامية فيها.
وحسب تخاريف حزب التحرير فهو لا يعترف بالديمقراطية, لان لا ديمقراطية في الاسلام وانه يكفر الحكام ولا يعترف بالحدود بين الدول جريدة »السياسة« 11/10/2004 فكيف تكونت هذه الذهنية? ومن الذي رعاها, ومولها حتى وصلت الى هذه الدرجة من التبجح والدمار العقلي الذي يتعامل مع العالم على انه منقسم الى قسمين مؤمن وكافر? وان غايتهم فرض نظام استبدادي, وفرض الغيبة, والحسبة ومحاكمة النوايا بالقمع, والارهاب الفكري.
لقد سقطت الاقنعة كلها وبانت وجوه الاصولية الظلامية القبيحة التي تتستر بالدين الكريم, وانفضحت النوايا من الهجوم على الدستور والديمقراطية, وكأن الذي كتب الدستور الكويتي, وناقشه بوذيون او مجوسيون او من عبدة الشمس, وليس من رجال الكويت المؤمنين الحقيقيين والمخلصين الاوفياء للوطن وللمواطنين كأنهم استمدوا كل مواده بما لا يخالف الشريعة الاسلامية السمحاء فالشرائع والقوانين خلقت للانسان ولم يخلق الانسان لها, وتفقد قيمتها متى تغيرت المصلحة, وحلت محلها مصلحة جديدة وظروف جديدة تستدعي تنظيمها بقواعد حقوقية جديدة, فالعمل التشريعي والمجتمع طرفان في معادلة واحدة فعندما يتغير احد جانبي المعادلة فان الجانب الآخر يتبعه في التغير لا محالة وهذا ما عبرت عنه الدساتير, واستلهمه واضعوها, وقد عبرت الشريعة الاسلامية عن تلك التغييرات التي تطرأ على التشريع بالنسخ, وقد نص القرآن على ذلك »وما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها«, فالعبادات ثابتة مهما تغير الزمان والمكان, ولكن المعاملات هي بطبيعتها متغيرة ومتبدلة تبعاً لتغير المجتمع واختلاف مصالح الناس وحاجاتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ففي هذه المسرحيات العبثية تختلق الاصولية واقعاً يناسبها على المقياس بالعودة الى الماضي وتمجيده, وتسحب منه ظروفه وواقعه الذي تشكل ضمن معطيات ويمثل افرادها دور البطل الحريص على الامجاد ليعيش مكرماً معززاً تحت راية السلفية يحمل كل مشكلاته على ظهره على الرغم من انه لا يحل حتى مشكلة واحدة, وفي المقابل لا يحتاج الاصولي الى شيء سوى ان يضع عقله وعقول الاخرين على الرف, ويمضي في غسل الادمغة الشابة في شتى الميادين المتوالية من تعليم, واعلام واقتصاد ونفاق وفن ومنع وتحريم وتكفير ليبقى الشرطي المرابط في الرأس ثم الصاق التهم بحضارة العصر, وقيمه, وابداعاته وهطول معارفه ووصفه بالتغريب والانحلال والفساد والغزو الثقافي, والحرب على الاسلام ولا يمكن لعاقل ان يبرئ السلطة عبر تاريخ طويل من الاحتضان لهذه القوى الظلامية, ومداهنتها وامدادها بكل اسباب الانتشار, والتسرب الى خلايا المجتمع لاهداف باتت معروفة وساطعة كشمس النهار, حتى بدأ هذا الغرس المسموم يؤتي ثماره القاتلة والجهادية العمياء والارهاب المتجول والحرب على العلم, ومكتسبات الحضارة وقدسية الانسان والحياة, ان هذا الارهاب الاعمى اشد تعقيداً مما تظن الحكومة والسلطة وقصر نظرها لانها لا ترى منه الا السطح, فمن لا يقرأ التاريخ وتصاب ذاكرته بالزهايمر السياسي فلن تكون له قدرة على اصلاح الخلل, ولا دواء المرض المستشري ولا حتى نفض الغبار عن اقدامه.

* كاتب كويتي
 

ملاحظة: إن الآراء المذكورة في التعليقات تعبر عن وجهة نظر أصحابها فقط ولا تعكس بالضرورة رأي صحيفة "السياسة"
الاسم*
عنوان التعليق*
التعليق*